حول الثوابت وضوابط في المشهد الحالي بشأن القوة

حول الثوابت وضوابط في المشهد الحالي بشأن القوة

أولاً : ( نقطة يجب توضيحها )

لايجوز أن أضع أموراً قد لاتجوز في مرحلة أو في موقف في فترة من الفترات لسبب أو لآخر ، وأن أجعل ذلك من الثوابت . وإنما تصبح هي أموراً خاضعة للاجتهاد الذى يتغير بتغير الأحوال .

ثانياً :

إن القوة التي نتكلم عنها تختلف عن منهج العنف الذى لا يقوم على أى حق أو شرعية ، ويُضرب فيه الحابل مع النابل ، وليس له هدف محمود ، وبهذا فهو شيء مذموم مرفوض . ومثال القوة المحمودة قيام المقاومة الوطنية بمواجهة المحتل الغاصب بكل أنواع القوة . وامتلاك القوة لا يعنى استخدام السلاح فهذا الأمر له مخاطره وضوابطه الشديدة .

وسنعرض هذه النقاط السريعة :

السلمية وعدم العنف وحرمة إراقة الدماء هو من ثوابت الدعوة .

القوة لها مكانة في دعوتنا , لكن بشرط إذا فُرضت علينا وذلك :

حين لايجدى غيرها ، وذلك كما قال الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس : ” نعم سيستخدم الإخوان القوة حين لا يُجدى غيرها ” ، أى حين لا تجدى الوسائل السلمية ونصل إلى طريق مسدود ، وذلك في تحقيق الأمر السياسى لعملية التغيير أو الدفاع عن حق الدعوة فى ذلك ، وليس في أمور فرعية . ويقول الإمام البنا أيضاً : ” وآخر الدواء الكى ” .

وجود قوة العقيدة وقوة الرابطة ( متانة التنظيم ) قبل قوة الساعد.

امتلاك القدرة على التنفيذ الصحيح ووفق رؤية متكاملة , وليس مجرد عمليات عشوائية دون خطة أو هدف ، ( وقد استنكر الإمام البنا من قام بمثل ذلك بصورة فردية وفى أمور فرعية كل هدفها إراقة الدماء أو مجرد التخلص من أفراد ) , وقد يكون استخدام السلاح داخل المجتمع – حتى لو حاز الجواز الشرعى – له آثار سلبية ومخاطر أكبر من أى فائدة يحققها .

موازنة النتائج .

وبهذه الضوابط أعلن الإمام البنا أن الإخوان سيكونون شرفاء صرحاء وسيتحملون النتائج .

وأشار إلى ضوابط عملية في التنفيذ منها : الإنذار ( العام ) أولاً – الحرص على عدم إراقة الدماء قدر المستطاع ( ونرجو مراجعة رسالتى المؤتمر الخامس والمؤتمر السادس بهذا الشأن ) .

الثورة الهوجاء الهدامة التي ليس لها هدف إلا ذلك , ليست من وسائل الاخوان المسلمين ولن يفكروا فيها , وذلك من الثوابت .

أهمية امتلاك الإخوان وسائل القوة والتدريب عليها حتى تكون جاهزة في مواجهة المواقف التي تفرض عليهم , وهذا وفق ضوابط وشروط : منها الواقع الذى تواجهه , والجواز الشرعى لذلك , وتوفر الضوابط التي أشرنا إليها … .

وقد فعل ذلك الإمام البنا بتشكيل النظام الخاص منذ عام 1940 م , تمهيداً للمواجهة مع الإنجليز ، وعندما جاءت أحداث فلسطين كانت الجماعة مستعدة ، واستمر ذلك في عهد الأستاذ الهضيبى ودخل بهم معارك القناة , وذلك قبل ضرب الجماعة عام 1954 .

منهج الجماعة فى التغيير والإصلاح , يجمع بين المنهح الإصلاحى والمنهج الثورى , كما أوضح ذلك الإمام البنا في رسائله .

المنهج الثورى في مواجهة الفساد والباطل وتغييره جذرياً ، فمن أقواله : ( تحطيم هذا الوضع الفاسد وتغييره – نريد إصلاحاً كليا شاملاً يتناول كل الأوضاع القائمة بالتغيير والتعديل تتعاون عليه قوى الأمة جميعاً وتتجه إليه ) .

والمنهج الإصلاحى في تربية الفرد والمجتمع للوصول بهم الى المستوى الذى يقيم نهضة حقيقية ، ويستطيع تطبيق شرع الله التطبيق السليم .

ومع امتلاك الجماعة لمبدأ القوة , قام الإمام البنا ببعض العمليات النوعية الضاغطة لتحقيق أهداف مطلوبة ضد الإنجليز وضد الجهات اليهودية الداعمة للصهيونية , فتم إحداث تفجيرات في النادى الإنجليزى – وكان يعمل فيه مصريون – ، وفى شركة الإعلانات الشرقية ، ومحلات هانو وشكوريل ، … إلخ . ولم يحدث فيها إراقة دماء ولكن حققت الهدف منها ، ولم يستخدم الإمام البنا ذلك ضد أبناء شعبه .

وهذه الأمور- وهى ليست من الثوابت – إنما خاضعة للاجتهاد البشرى وفقاً للواقع والظروف والإمكانات .

نُذكّر أيضاً بما قاله الإمام البنا بشأن أن القوة لها استخدامها , ففي مذكرات الدعوة والداعية , في مؤتمر حاشد للطلاب عام 1938 أشار إلى أن الإخوان قد يستخدمون القوة في الدفاع عن انتصارهم فقال : ” فإذا جاءت السرعة التي يعلم الإخوان أن البطء سيأخذ من تقدمهم – أو إنتصارهم – فسيعلمون حينئذ كيف يذودون عن دعوتهم ؟ وكيف تكون الموتة الكريمة في سبيل الغاية العظيمة ؟ ” .

لم يعترض الإمام البنا – سواء في الرسائل أو في غيرها من كتاباته – على تحرك مجموعة من الجيش في المشاركة في تحقيق الأهداف الوطنية ( وكذلك الأستاذ الهضيبى ) ولكن حدد الإخوان لذلك شروطاً منها :

ألا يحكم العسكر ( سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ) .

أن يكون ذلك لتصحيح الأوضاع , وللتهيئة لتمكين الحكم بشرع الله .

وكان أقوى تنظيم وطنى في الجيش المصرى هو تنظيم ضباط الإخوان ، حيث بدأ منذ عام 1943 .

وقد أورد اللواء صلاح شادى – وهو من أبرز قيادات الإخوان – في كتابه حصاد العمر المعلومات التي تؤكد ذلك .

” فقد بدأ تنظيم ضباط الإخوان في الجيش في عام 1943 ، وتم تسميته الضباط الأحرار في عام 1946 لتوسيع قاعدته ولتشمل عناصر وطنية من غير الإخوان .

وكان من أبرز قادته – بل المسئول التنفيذي – جمال عبد الناصر , تحت إشراف الصاغ محمود لبيب ، وفى فبراير من عام 1952 التقى عبد الناصر ومعه اثنان من الضباط الأحرار ( عبد الحكيم عامر – صلاح سالم ) بقيادات من الإخوان المسلمين : ( صالح أبو رقيق – صلاح شادى – حسن عشماوى – عبد القادر حلمى ) واتفقوا على القيام بتحرك الجيش ، ودور الاخوان في ذلك وفى توفير الحماية والتاييد الشعبى له … ، كما اتفقوا ألا يتقدم الإخوان للحكم في تلك المرحلة وألا يحكم العسكر , واتفقوا على أن يشكل الحكومة ” على ماهر ” كشخصية وطنية مستقلة في تلك المرحلة , وأن هذا تمهيداً لهدف تطبيق شرع الله ” .

فكان المفهوم أن هذه حركة تصحيح يقوم بها الجيش ، وليست انقلاباً عسكرياً يستولى به الجيش على الحكم .

ثم أبلغهم عبد الناصر بالتأجيل بعد أسبوعين من هذا اللقاء ، ثم جاء إليهم في 19 يوليو1952 يبلغهم بالقيام بالتحرك ويطلب منهم تنفيذ ما اتفق عليه , واحتاج الأمر لإذن الأستاذ الهضيبى الذى وافق على هذه الأسس , لكن عبد الناصر خان وغدر بعد ذلك .

ملحوظة : كان إجمالى عدد الضباط الأحرار 90 ، منهم 40 من الإخوان المسلمين ، وكذلك كان هناك 8 من الإخوان أعضاء في مجلس قيادة الثورة .

إننا نذكر هذه الأمور لنؤكد أن رفضها أو الأخذ بها ليس من الثوابت ، وإنما هي مجال للاجتهاد البشرى وحسب مصلحة الدعوة .

بالنسبة للمشهد الحالي :

امتلاك القوة – وليس استخدام السلاح أو إراقة الدماء – في هذه المرحلة من المواجهة أمر واجب – وقد قصرنا في ذلك في مرحلة سابقة كان متاحاً فيها – والقدرة على استخدامها بكفاءة , لأن هذا قد فُرض علينا , وكذلك حتى نكون مستعدين لمختلف السيناريوهات المستقبلية الواردة .

فمن الوارد أن يحدث انهيار مفاجئ في منظومة الانقلاب المسيطرة على الحكم ( صراع على السلطة – انهيار وفشل اقتصادى – توقف الدعم الإقليمى فجأة … إلخ ) , مما يحدث حالة من الفوضى ويصبح على أصحاب ثورة الشرعية التقدم للسيطرة الفعلية على الأمور , وهذا الأمر يحتاج للاستعداد مقدماً وله وسائله وضوابطه وكيفية القيام به .

وكذلك إن استمرار ثورة الشرعية وحمايتها والضغط على الجهة الانقلابية المغتصبة يحتاج إلى قوة وليس الاستسلام أو التسليم لما تفعله بهم .

وهناك أيضا احتمالات للمواجهة المتزايدة مع اليهود وما يُخطط له بشأن سيناء ( كان اليهود يتحركون للتوسع بعد ضرب الإخوان : عام 1954- 1956 , 1965-1967 ) .

ما نتعرض له حالياً من محنة أو مواجهة يختلف في أوجه كثيرة عن المحن التي تعرضنا لها سابقاً ( 48 ، 54 ، 65 ، 81 ، 95 ، … إلخ ) .

حيث الآن في هذه المواجهة هناك : الحاكم الشرعى بإرادة الأمة , ومن قام عليه هو حاكم منقلب مغتصب وهو جزء من مؤامرة كبرى ضد المشروع الاسلامى , ونحن ندافع عن حقنا وإرادة الامة والمشروع الإسلامى في المنطقة كلها .

فحق الدفع بكل الوسائل مكفول شرعاً ؛ لكن مع مراعاة الضوابط والثوابت من الحرص على عدم إراقة الدماء أو الايذاء المباشر للشعب في أموره الأساسية , والاجتهاد في الكيفية والتوقيت , وقد أشرنا لذلك .

فلابد من الضغط على هذا النظام الانقلابى الدموى بكل وسائل الضغط المناسبة والقوية ، مع المحافظة على الحاضنة الشعبية لثورة الشرعية وتوسيعها .

ولا بد أن ندرك أن هذا النظام الظالم لايهمه حياة عساكره وضباطه ، إنما هم أدواته التي يستخدمها ويدوس عليهم بأقدامه في سبيل مصلحته ، بل قد يقتلهم بنفسه إذا رأى في ذلك مصلحته ( مع مراعاة التجارب السابقة في مصر والجزائر وسوريا ) .

ولهذا يجب مواجهة هذا النظام بما يهز أركانه ويعجل بانهياره , والقوة والتخطيط السليم ضرورى لذلك .

كما أننا إذا تكلمنا عن هذا الوضع القائم من الناحية الشرعية فيجب توصيف إجمالى المشهد ومراعاة أحكام الحاكم المغتصب , وهو يختلف فى كثير من الجوانب عن الحاكم المتغلب , وليس قصر الحديث عن التصرف الفردى لولى الدم في هذا الشأن .

ألا يشغلنا الحديث عن التصريحات الدبلوماسية أو البيانات المختلفة ، فقد يكون لها هدف آخر , وإنما يشغلنا الواقع العملى وموازنة النتائج وكيفية تعويض ما فات وما قصرنا فيه .

ولا يمكن لجماعة تستخدم القوة وهى مفككة الأوصال ، متنازعة ، خامدة العقيدة أنْ تنجح ، كما قال الإمام البنا .

فلنجمع أمرنا ونوحد صفنا ” ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ” , ولنتوكل على الله ونكثر من دعاء السحّر , ونصبر الصبر الإيجابى , ونستفرع الوسع والقدرة , ونتوافق على رؤية متكاملة واحدة واضحة , وأن نعتمد الشورى والمؤسسية دائماً , وأن نكون على يقين بانتصار ثورة الشرعية ولو بعد حين .

بمراجعة رسائل الإمام البنا وسياسته العملية ، نستطيع أن نوجز الرؤية والموقف الخاص بالجماعة بشأن خمس قضايا رئيسية تواجهها :

1- الأصل في الدعوة ، والمنطلق الذى تنطلق منه وسائل التغيير في المجتمع وإنجاح المشروع الإسلامي ، هو :

الدعوة والتربية ، والكفاح السياسى ، والنضال الدستورى . كما نصّ على ذلك الإمام البنا ، فمن أقواله – وهى كثيرة في رسائله – : ” غاية الإخوان الأساسية : تربية جيل مسلم ” … ” دعوة الإخوان تحارب هذا كله – أي صور الخلل في المجتمع – بالتربية القويمة والتوجيه الصحيح ، ووضع الهدف الواضح المستنير أمام هذه النفوس المشرقة بطبعها ومواريثها وعمق إيمانها ، فينشأ جيل عزيز كريم مغامر لا يبالى أن يذهب إلى أقصى الأرض في سبيل دعوته .. ” .        [ رسالة قضيتنا ، باختصار بسيط ]

هذا هو الأصل ، أما الاستثناء ، فيكون حين تفرضه ظروف قاهرة ، وتنسدّ جميع السُبل ، ويكون محكوماً بضوابط أساسية منها موازنة النتائج والشروط الشرعية ، واستكمال قوة العقيدة وقوة الرابطة والتنظيم ، والاهتمام بالحاضنة الشعبية المؤيدة ( عموم الدعاية وكثرة الأنصار ومتانة التكوين ) . وقد أوضح الإمام البنا ذلك في رسالة المؤتمر الخامس .

2- ولأن طبيعة طريق الدعوة أن تتعرض للكثير من المحن والابتلاءات ، فإن منهج الدعوة في مواجهة ذلك هو الصبر والثبات على أهداف الدعوة وثوابتها والالتفاف حول القيادة ، وليس التسرع في استخدام القوة سواء على المستوى الجماعى أو الفردى .

3- أما موضوع امتلاك القوة – بجميع أنواعها – فهو متروك للواقع الذى تواجهه وللحسابات التي تقدرها وللطريقة التي تراها مناسبة ، فقد يكون واجباً في مرحلة أو مندوباً إليه ، أو قد يكون ممنوعاً لأن ضرر ذلك أكبر من نفعه . والجماعة عندما تدرس ذلك ، تضع في تقديرها الرؤية المستقبلية والسيناريوهات المختلفة التي تواجهها .

4- أما جعل مسار القوة هو ترويع للشعب وإيذاء له ولاحتياجاته الأساسية ، أو استهداف إراقة الدماء وإيذاء الأبرياء ، فهذا مرفوض ، حتى لو كان المستهدفون أدوات تعادى المشروع الإسلامي ، فإن هذا لا يغير الواقع ولا يسقط العدوان أو يجعله يتراجع ، ونماذج التاريخ شاهدة على ذلك . وكذلك الدخول في مواجهة مفتوحة مع السلطة الغاشمة المستبدة دون إعداد ودون خطة ورؤية واضحة وحساب للنتائج ، فهذا هو المسار العشوائى ورد الفعل غير المنضبط والذى يرفضه منهج الجماعة .

5- أما حين يصل التيار الإسلامي إلى مقعد الحكم بصورة دستورية ، تمهيداً لانطلاق وتقدم المشروع الإسلامي بكل جوانبه ، ثم يقوم من يعتدى عليه ويزيحه من الحكم بانقلاب عسكرى مثلاً ، فإن الوضع يختلف ، فالأصل أن تدفع الجماعة هذا العدوان ومن يقف وراءه بكل وسائل الدفع الممكنة ، فإذا لم تكن قادرة استكملت أسباب القوة لتقوم بهذا الدفع ، ولا تستسلم له .

وهذا هو الحكم الشرعى ، وقد أشار إليه الإمام البنا – في مذكرات الدعوة والداعية – عن كيف سيدافع الإخوان عن انتصارهم ، مع مراعاة الضوابط الشرعية ، وكذلك الضوابط والقواعد الحاكمة التي وضعها الإمام البنا في استخدام القوة وأشرنا إلى بعضها في النقاط السابقة .

ومن هنا يتضح أهمية امتلاك القوة والاستعداد الجيد ، وكيفية تقدير الواقع المكافىء ، وتكامل جميع الوسائل التي تواجه وتسقط هذا الانقلاب وذلك العدوان ، ومراعاة الحرب الإعلامية وكيفية مواجهتها ومستوى الإعلان عن ذلك وتجنب صور الجهاد الخاطىء .

هذا والله أعلم

ضع تعليقك