مفارقات الثورة والإصلاح عند الإخوان المسلمين

مفارقات الثورة والإصلاح عند الإخوان المسلمين

منهج التربية وما فيه من وسائل وبرامج دراسية ، لا يعنى تجميد الأفراد أو فرملة انطلاقتهم في كل شأن ، وإنما هناك المنهجية المتوازنة في عملية الإصلاح والتربية  ، وبين عملية الحركة والانطلاق .

مثال ( الموتور – البطارية – دينامو السيارة ) في الحركة والشحن .

يقول الإمام البنا : نحتاج إلى حماس قوى وإلى تحكم قوى في هذا الحماس ، ولهذا نلاحظ في تاريخ الدعوة شدة إقبال الشباب عليها ، وذلك لقدرتها على استيعابهم وحسن إعدادهم وتوجيههم وتقديم ما يشبع طموحهم وآمالهم .

فدعوة الإخوان المسلمين كما أسسها الإمام الشهيد البنا حسن البنا ، ليست مجرد جماعة إصلاحية تدعو إلى الإصلاح الجزئى ، ولكنها دعوة ثورية في جوهرها وتدعو إلى الإصلاح الشامل ، لكنها تجمع مع هذه المنهجية الإصلاح المتدرج أيضاً لتأخذ بالأثر الإيجابى لكليهما .

وهى ترفض الثورة المدمرة المخربة – مثلما حدث في الثورة الفرنسية والثورة البلشفية – ، يقول الإمام البنا عن هذا النوع من الثورات : ” والثورة الهوجاء التي لا غاية لها ولا ضابط ولا نظام ولا حدود ولا تعقيب إلا الهلاك والدمار والخسارة البالغة .. ” مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي

وحدد أن الدعوة تجمع بين مطالب الإصلاح الكلى والجزئى ، وبين العمل الثورى الإيجابى .

يقول الإمام البنا في ذلك :

” سنجاهد في سبيل تحقيق فكرتنا وسنكافح لها ما حيينا وسندعو الناس جميعاً إليها وسنبذل كل شيء في سبيلها فنحيا بها كراماً أو نموت كراماً ، وسيكون شعارنا الدائم : الله غايتنا ، والرسول زعيمنا ، والقرآن دستورنا ، والجهاد سبيلنا ، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا ”  رسالة إلى الشباب

والإصلاح الذى ندعو إليه : ” إصلاح شامل كامل تتعاون عليه قوى الأمة جميعاً .. ” رسالة المؤتمر السادس

” فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام ، سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين .. ” مذكرات الدعوة والداعية

وهو هنا يتكلم عن المخاصمة الفكرية ، خاصة مع أصحاب المبادئ التي تتنكب طريق الإسلام وتحارب مبادئه .

” وإن قيل لكم : أنتم دعاة ثورة ، فقولوا نحن دعاة حق وسلام نعتقده ونعتز به ، فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا وكنتم الثائرين الظالمين .. ” رسالة بين الأمس واليوم

” فقولوا ندعو إلي الإسلام الذي جاء به محمد صلي الله عليه وسلم  والحكومة جزء منه والحرية فريضة من فرائضه .. ” رسالة بين الأمس واليوم

وإذا كانت دعوة الجماعة في الإصلاح تدعو إلى الإصلاح المتدرج وصولاً إلى الإصلاح الكامل الشامل وهو الهدف الرئيسى ، إلا أنها تهدف إلى إزالة الاستبداد والفساد كله فوراً وتحطيم كل ركائزه وأسسه التي يقوم عليها وعدم مهادنتها .

يقول الإمام البنا :

” فنخلص من ذلك كله بتحطيم هذا الوضع الفاسد وأن نستبدل به نظاما اجتماعيا خيرا منه , تقوم عليه وتحرسه حكومة حازمة .. ” رسالة المؤتمر السادس

” وقد تكون إلى جانب هذه الوسائل العامة وسائل إضافية لا بد من الأخذ بها وسلوك سبيلها ، منها السلبي ومنها الإيجابي ، ومنها ما يتفق مع عرف الناس ومنها ما يخرج علي هذا العرف ويخالفه ويناقضه ، ومنها ما فيه لين ومنها ما فيه شدة ، ولا بد أن نروض أنفسنا علي تحمل ذلك كله و الإعداد لهذا كله حتى نضمن النجاح .. ” رسالة بين الأمس واليوم

وعند قيام ثورة 52 ، طالب الإخوان قيادة الحركة بعد أسبوع واحد من قيامها – في مذكرة طويلة أرسلوها وأعلنوها – : ” بالتطهير الكامل الشامل للحكام ونظام الحكم السابق وبمؤاخذة كل من عبث بمصلحة الدولة أو أجرم في حق البلاد .. ” .

وقد مارس الإمام البنا كل الوسائل الثورية في العمل من المظاهرات الحاشدة الضاغطة والاعتصامات ، بل ونادى بالعصيان المدنى من الشعوب إذا لم تقف حكوماتها بقوة ضد اغتصاب فلسطين .

بالإضافة إلى إعداد الجماعة لتمتلك في نفسها وأفرادها القدرة الثورية والتأثير الجماهيرى ، الذى يحقق أهدافها ويجعل منها ثورة إيجابية – وليست مدمرة – تسقط الظالمين وتهز عروشهم وتحدث التغيير المنشود .

يقول عن ذلك الإمام البنا : ” وفي الوقت الذي يكون فيه منكم ـ معشر الإخوان المسلمين ـ ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحياً بالإيمان والعقيدة ، وفكرياً بالعلم والثقافة ، وجسمياً بالتدريب والرياضة ، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار ، وأقتحم بكم عنان السماء . وأغزو بكم كل عنيد جبار ، فإني فاعل إن شاء الله .. ” رسالة المؤتمر الخامس

فهو يدعو إلى الثورة الشاملة التي تغيّر كل شيء ، لكن وفق إعدادٍ صحيح وبناءٍ قوى يجعلها قادرة على تحقيق أهدافها ومقاومة الظالمين ، وليس مجرد هباتٍ ضعيفة تظهر ثم تختفى .

وقد أشار الإمام البنا أن الثورة ستواجه معوقات وأعداءً كثيرة ، فيجب أن تكون على استعداد للمواجهة . وقد أشار بذلك في محاضرة للطلاب عام 1938 ، فقال : ” فإذا جاءت السرعة التي يعلم الإخوان أن البطء والهدوء سيوقف تقدمهم أو يأخذ من انتصارهم ، فسيعلمون حينئذ كيف يذودون عن دعوتهم وكيف تكون الموتة الكريمة في سبيل الغاية العظيمة ..” مذكرات الدعوة والداعية

وبالتالي تتضح لنا ملامح الفكر والأداء الثورى في دعوة الإخوان المسلمين ، بالإضافة إلى منهجيتهم في الإصلاح والتربية والعمل الجماهيرى ، وهو ما سنشير إليه باختصار :

– على مستوى التغيير الشعبى ، هناك ” الحراك ” الشعبى الضاغط ، لتحقيق مطلب من مطالب الإصلاح ، أو إيقاف إجراء ظالم من السلطة .

وهناك المدّ أو الزحف الثورى ، وهو يختلف عن الحراك الشعبى ، فهو موجة ثورية تمثل انتفاضة وهبة أمة ولا تنحصر في شريحة أو فئة معينة من الشعب ، بل يتم الإعداد لركائزها وتكوين القلب النابض لها ، وهى مستمرة حتى تحقق أهدافها – حتى لو هدأت قليلاً في بعض الأوقات – ، وتقدم التضحيات بلا سقف أو حدود .

وقد تكون في المرحلة التمهيدية أو الأولى منها عبارة عن موجات ثورية متعاقبة أو متتالية تهدأ ثم تشتد كل فترة . أو تكون زحفاً ثورياً هادراً ، لتحقيق التغيير الشامل الذى تهدف إليه . ولابد أن تمتلك الثورة الذراع القوية التي تم إعدادها وتهيئتها بدقة لتقبض على الأداة التنفيذية لتحقق عملياً مطالب الثورة .

– وذلك الأمر يتطلب الرؤية الصحيحة : هل وصل الشعب إلى مرحلة التثوير أم لا ؟ ، وقد تأتى أحداث تدفع وتسرّع بالوصول للاحتقان الثورى الذى ينتظر أي شرارة ، لهذا فإن البصيرة مطلوبة لإدراك متى تقترب مرحلة أو نقطة الاشتعال .

– إن أي ثورة لابد لها من دعاة وإعداد وامتلاك مسارات إقناع الشعب وتحريكه ، وبناء قدرته على التضحية وتقوية عزيمته على المواصلة ، وهذه صفات تحتاج إلى الشباب فهو أقرب الشرائح لتحقيقها .

– وهذا يحتاج – في صناعة الثورات – إلى سنوات طوال وإلى عمل وإعداد متأنى ، وانتهاز الفرص ، وحسن تقدير والاستفادة من الأحداث . ولا يكون اعتماده على مجرد انتظار نقطة الانفجار الشعبى التي قد تأتى أو لا تأتى ، أو تكون هديراً عشوائياً غير منضبط ، ليس تجمعه غاية واحدة .

– ولابد من توافر وعى ثورى حقيقى ، حتى لا ينخدع الثوار أو يتم استدراجهم ، يقول الإمام البنا عن أهمية امتلاك الثوار لهذا الوعى :

” ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره .. ”  وقبلها تكلم عن الأسس التي يجب أن تتحقق في الثورة والثوار ، وهى امتلاك القوة النفسية العظيمة لكى تنجح وتستمر وهى تتمثل في : ” إرادة قوية : لا يتطرق إليها ضعف ،  ووفاء ثابت : لا يعدو عليه تلون ولا غدر ، وتضحية عزيزة : لا يحول دونها طمع ولا بخل .. ” . رسالة إلى أي شيء ندعو الناس

والحراك الثورى لكى ينجح لابد أن يكون له :

1- قيادة محددة يلتف الثوار حولها ، وإن اعتُقِلت هذه القيادة أو استشهدت حلّ مكانها آخرون ، وعلى نفس الطريق يسيرون .

2- أهداف ومطالب واضحة محددة ، متناسبة مع الزخم الثورى وتطلعات الجماهير ولا تقف عند مجرد شعارات عامة .

3- ذراع إعلامية سياسية تعبر عن أهداف الثورة وتلتزم بتوجيه الحراك الثورى ولا تتاجر به .

4- وحدة الزخم الثورى في الجسم الأساسى للثورة ، فإذا خرج منها بعض الفروع الصغيرة لم يؤثر هذا على الثورة .

5- امتلاك الذراع القوية التي تم إعدادها بدقة والقادرة على امتلاك الأداة التنفيذية لتحقيق مطالب الثوار .

6- الانتباه إلى الثورة المضادة سواء وقتها أو عقب نجاح الثورة ، وكيفية إحباط هدفها .

7- تحقيق السمات الأساسية للحراك الثورى بأعلى درجة وهى :

1- أن تكون له حاضنة شعبية واسعة ، تدعمه وتؤيده وتتفاعل معه .

2- أن يستمر هذا الحراك ، حتى لو قتلوا الآلاف أو اعتقلوهم أو اعتقلوا القيادات ، وأن يقدم التضحيات مهما بلغت .

3- ألا يتنازل عن أهدافه التي أعلنها ، مهما كانت الضغوط .

وبالتالي فإن الحراك الثورى له ثلاثة شعارات أساسية وهى :

1- لا تفاوض : حول الأهداف ، وإنما يكون الحوار لكيفية تنفيذها بعد التسليم بها .

2- لا تراجع : في الفعاليات سواء بالتأجيل أو الإلغاء .

3- لا تنازل : عن الأهداف المحددة والمعلنة من أول يوم .

لا يجب أن يتطرق اليأس إلى الثوار ، حتى لو هدأت الحالة الثورية مؤقتاً . فلابد لهم من العمل لعودة الموجة الثورية في مواجهة الظالمين ، وليحذروا من أساليب الاختراق من الجهة المعادية للثورة ، والتي تهدف إلى استيعاب مكوناتها الرئيسية أو تفريقها أو جرفها من مسارها الأساسي وتحويلها عن هدفها بإسقاط الظلم والظالمين .

إن الثورة الحقيقية ليست مجرد هدم فقط ، وإنما هدم وبناء ، ولهذا كان الإمام البنا حريص على أن يجمع الإخوان بين هاتين القدرتين ، وأن تقوم خطته على الارتقاء بهما لتكون الثورة الإسلامية : ثورة الحرية التي تجمع تحتها كل الطوائف والشرائح ، ولكل فريق صبغته الخاصة ، ولكن يجمع الجميع مساحة مشتركة ” نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ” .

وقد ظهر هذا واضحاً في منهجيته في مواجهة العصابات الصهيونية عند اعتدائها على فلسطين وكذلك في إعداد الجماعة ومواجهتها للاحتلال الإنجليزى في مصر عام 1951 .

وإنه يجب دراسة تجارب الأمم الأخرى في الثورات لمعرفة عوامل الضعف والقوة .

وحركة الجماعة بالدعوة في المجتمع ليست مجرد ردود أفعال ، أو تصرفات هوجاء ، الهدف منها أن يتحدث عنها الناس ، وإنما هي حركة لها أهداف واستراتيجيات ، وتشمل ملفات في الإصلاح وبناء القاعدة الصلبة وتربيتها فهى الأساس الذى يقوم عليه البناء ، وبالتالي حركتها لا تنحصر في ملف أو محور واحد ، وتثوير الأمة له مقوماته ، ولابد أن تتوفر تلك المقومات لكى تكون الأمة عنصراً ناجحاً في التغيير ، ويجب أن يصاحب ذلك تحديد درجة ومستوى البناء في باقى المحاور حيث أنها تتداخل معها ، ويكمل بعضها بعضاً ، وهذا المنهج هو الذى يفرّق بين أسلوب الجماعة وأسلوب البعض من الحركات الثورية التي لا تلبث أن تتوهج ثم تنطفأ أو تعجز عن إكمال المسيرة وتحقيق الأهداف .

يٌفضِّل الإخوان في منهجية الحركة الإصلاحية المجتمعية ، أسلوب التدرج والهدوء في العمل إلى أن يحين الوقت المنشود ، لأن ذلك يحقق فوائد محددة :

1- أقل في الخسائر أو التكاليف المادية ( البشرية والمالية ) .

2- أدعى لاستجابة الشعب لنداء الدعوة والإقبال عليها والتفاعل معها .

3- يعطى مساحة واسعة من الحركة وتعدد الوسائل المتاحة .

ومع هذا فالجماعة قادرة على العمل في كل الأجواء والأحوال ، وقد أعانها الله بالقدرة على امتصاص الضربات .

كما أن على الجماعة أن تمتلك الرؤية والبصيرة للواقع وتطوراته ، وأن تحرص على تنفيذ خطتها المتكاملة  ، وألا تكون مجرد أداة في يد آخرين يحققون بها أهدافاً لهم .

لكن إذا تطلبت المصلحة السرعة في الحركة أو الاستفادة من الفرص المتاحة أو إعلان المواقف المبدئية بناء على ثوابت الدعوة أو مصلحة الوطن مهما ترتب على ذلك ، والتصدى للاستبداد ، وقيادة الأمة ، أو توفرت المقومات المطلوبة لتثوير الأمة – وهذا جزء من الملفات التي تعمل عليها – فلا يمكن أن تتأخر عن ذلك بل تكون على مستوى الأحداث وما تتطلبه ، وتتحمل الضغوط والمحن ، فأصحاب الدعوات والمبادئ لا يتنازلون عنها مقابل بعض المكاسب المادية حتى ولو كانت هذه المكاسب بعض مساحات الحركة أو تجنب التعرض للأذى ، فهم لا يخضعون للتهديد أو يجرون وراء الترغيب أو يساومون على دعوتهم ومبادئهم ومواقفهم التاريخية تشهد على ذلك .

فموقفهم من اتفاقية الجلاء عام 1954 وما فيها من انتقاص لسيادة مصر ، ومن حلّ الأحزاب ومن هيئة التحرير ، وموقفهم من اتفاقية كامب ديفيد ، وهم يعلمون جيداً الثمن الذى سيتم دفعه نتيجة لذلك ، فكانوا أكبر فئة في الشعب تعرضت للسجون والمصادرة ، ومن نظام حسنى مبارك ورفضهم ترك العمل السياسى أو التنازل عن دخول الانتخابات ، وموقفهم من المؤسسة العسكرية ورفض أن تتجاوز مهامها وأن تحكم مصر .. كل هذه مواقف دفعوا ثمنها ، وتحملوا محناً متواصلة أكثر من أي جهة ، لكن بناء على مبادئهم وثوابتهم .. وهذا هو شأن أصحاب الدعوات أن يموت أصحابها في سبيل مبادئها كما أعلن لهم ذلك الأستاذ المرشد حسن الهضيبى عام 1954 .

ضع تعليقك