أبعاد الصراع بين الحق والباطل

أبعاد الصراع بين الحق والباطل

اهتم الإمام الشهيد بالفهم الصحيح للدعوة ، وجعله أول أركان البيعة ، وسماه “الفهم الدقيق” وجعله جزءاً أساسياً من عملية “التكوين العميق” التي تعد الفرد لحمل الدعوة واجتياز العقبات وتحمل المشاق.

ودور النقيب دائماً هو مراجعة هذا الفهم عند الأفراد وتصحيحه بالحوار والمناقشة الهادئة وبناء ترسيخ القناعات . وبالتالي بناء الموازين والقواعد التي ينطلق منها تكوين الفهم والرؤية عند الأفراد ، ولابد له فيها من دوام مطالعة كتاب الله ، ومعايشة قصص الأنبياء ، وسيرة رسول الله ﷺ.

ومن هذه الموضوعات الهامة قضية الصراع بين الحق والباطل ، وما يحتويه من مفاهيم وأسس تنعكس على واقعنا وحركتنا .

أولاً : لابد من استحضار هذه المعانى :

1- إن الدعوة للإسلام وتطبيق منهج الله ، سوف تواجهها دوماً عقبات وصدود ورفض من قوى الباطل وممن يملكون مشاريع ودعوات خارج المنهج الإسلامي.

قال تعالى : “وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”. [ الحج : 40 ]

“وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ”. [ البقرة : 251 ]

2- القرآن الكريم وضَّح في تصويره الصراع بين الحق والباطل ، أنه صراع حتمى وأن نتيجته بيد الله عز وجل.

3- وظيفة الفئة المؤمنة هو الثبات وبذل الجهد واجتياز اختبار التمحيص.

4- أنه بالمنطق العصرى هو معادلة صفرية.

5- ولا يملك أحد من المسلمين أن يتجرأ على قدر الله ﷻ – والذى قدره في كتابه الكريم – أو يتنازل عنه في جهاده.

ثانياً :

الدعوة الإسلامية بصبغتها ووجهتها وأهدافها لا تقبل أن تتقابل مع دعوات الباطل – مهما انتفش – في منتصف الطريق ، أو تركن إليهم أو تخرج نموذجاً مشتركاً من الأثنين ، و ترضخ للباطل وتعطى له أي قدر من الصلاحية والبقاء كمصدر للتوجيه وفق قيمه ومبادئه أو الإقرار بالمرجعية له في ذلك.

وقد حاول جنيكز خان ذلك بإخراج “اليساق” وهو عبارة عن خليط من الوثنية والإسلام والمسيحية.

ونحن هنا لا نتكلم عن الوسائل ومواد الحياة ، فهذا متاح للجميع نأخذ منه ونترك ، ولا يعنى هذا أن الدعوة والحق الذى تحمله هو منهج إقصائى بالنسبة للآخرين إنما نتكلم عن الدعوات والتصورات والمشاريع المخالفة للإسلام كالمشروع العلمانى مثلاً … إلخ.

وهذا بخلاف التعاون في المشترك في أمور الحياة العملية وفى الكفاح السياسى والتي تبيحها قواعد الإسلام أو التدرج في مجال الحركة واستيعاب الواقع ومواجهته بآليات مكافئة له.

أما بالنسبة للأفراد والجماعات والهيئات ، فإن الدعوة بما تتيحه من حرية في المجتمع الذى تحكمه تستوعب الجميع “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” ، وأهل الكتاب الذين انحرفوا عن منهج الحق عاشوا في ظل دولة الإسلام ونعموا بالأمن وبمنهج الحرية الذى استوعب الجميع وبالمشاركة في العمل داخل المجتمع.

وهناك فرق بين أن تستوعب المشروع العلمانى وأصحابه في المجتمع ، وأن يكون هناك الحوار والنقاش بالتى هي أحسن هو مسار التفاهم ، بل والتعاون في أمور لصالح الوطن ، وبين أن أقدم رؤية في المبادىء والقيم فيها الشراكة بين المشروعين : المشروع العلمانى والمشروع الإسلامي .

إرادة الأمة هي التي تحدد انحيازها لأى دعوة ولأى مشروع ، وتتشكل هذه الإرادة في الأمة بفعل الدعاة وقد ثبت عملياً وتاريخياً أن المشروع العلمانى هو الذى يرفض وجود أفراد تحمل المشروع الإسلامي ، ويحرص على إقصائهم من مراكز التأثير.

ثالثاً :

صياغة العقل المسلم وارتباطه بأصول الدعوة الإسلامية هي أمر مستهدف ، وهم يعملون على إحداث الخلل والارتباك بل والسيطرة وإعادة الصياغة ليكون ذلك وفق قواعد وضوابط يربطونه بها.

من الأهمية بمكان تعديل وتصويب العقل المسلم وردّه إلى أصول منهجه الإسلامي:

فالمنهج الإسلامي له موازينه ومقاييسه الخاصة به ، وبالتالي رؤيته الواضحة المنبثقة عن تلك القيم والموازين والأهداف.

ويجب أن يحذر المسلم عند التفكير والانطلاق بالرؤية من جرّه وصبّه في قوالب خارج تلك المفاهيم الربانية وبالتالي تضطرب عنده البوصلة.

إن صياغة العقل المسلم تنبع من قواعد دعوته التي وضحها القرآن الكريم وسنة رسول الله ﷺ.

وبالتالي طرح آليات وقواعد للتفكير خارج هذه القواعد وجرنا إليه هو أمر مرفوض ، قد نستخدم بعض الأساليب في إجراءات جزئية أو تعامل فرعى ، لكن تحت إشراف وهيمنة تلك القواعد الإسلامية.

رابعاً :

وهذه أمثلة لما يراد من إعادة صياغة العقلية المسلمة :

أ- أنتم ستتعاونون مع أحد وتتوافقون معه على عمل أو موقف ، ولكل منكم كيانه المنفصل ، فلابد كقاعدة أن تتنازل عن قدر معين ويتنازل هو كذلك.

فما هو المقدار الذى على الدعوة الاستعداد للتنازل عنه في مبادئها وشعاراتها وأهدافها في سبيل الالتقاء مع الآخرين . وبالتالي يصبح التفكير يدور حول ذلك وهل هذا القدر كافى أم لا.

لكن هناك قاعدة التعاون في الإسلام ، نتعاون فيما اتفقنا عليه بدلاً من هذا التفكير – أي في المساحة المشتركة – ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه ، وإذا كان هناك تعديل فإنه يكون في الوسائل وفى النشاط والجهد وليس في الأهداف والمبادئ والشعارات.

ب- تدخل الدعوة مجال التعاون والعمل السياسى مع الآخرين ، فيعتبرونها بمشروعها الإسلامي هيئة واحدة ، وفى المقابل اعتبار أصحاب المشروع العلمانى هيئات متعددة حتى لو مثلها أفراد على أصابع اليد ، وبالتالي لابد أن يخضع القرار للتصويت ثم الأغلبية التي أصبحت دائماً معهم.

فكلهم بالنسبة للمشروع الإسلامي مهما تعددت أسماؤهم هيئة واحدة ، وبالتالي التعاون يكون بالتوافق وليس بهذا المنطق وذلك الترتيب.

جـ- يقولون لك استحالة المعادلة الصفرية في مسار المشروع الإسلامي مع المشاريع الأخرى ، والواقع يشهد بقوة وغلبة المشروع العلمانى ، وبالتالي يقولون باستحالة تحقيق المشروع الإسلامي كله . فلابد أن تعدل من أهدافك ومبادئك وأن تعلن ذلك بوضوح.

في المشروع الإسلامى الرؤية والتصور والأهداف العامة من الثوابت والقواعد ، وهذا يختلف عن الأهداف الفرعية والوسائل الإجرائية ، وبالتالي هناك فرق بين المرحلية وبين تجزئة التصور في المشروع الإسلامي.

د- يقولون : إن الأهداف والمبادئ لابد من مراجعتها كل فترة ، لأن الثبات عليها هو جمود .. ولا توجد ثوابت أو حقيقة كاملة في هذا العصر ، وكل شيء قابل للنقض ، فأين اجتهاداتكم ؟

وكل هذا مناقض لمبادىء وعقيدة الإنسان المسلم فالمراجعة تكون في المتغيرات فقط ، وفى الجهد البشرى الذى يصيب ويخطىء .

هـ- كثيراً ما نسمع منهم هل أنتم يمين أم يسار أم وسط ، وبالتالي يبعد الإنسان عن القياس الصحيح فنحن نقيس أنفسنا بمدى التزامنا بالإسلام ومبادئه ، وليس هناك أنواع في الإسلام.

و- يقولون : إن منهجكم الذى يقوم على المعادلة الصفرية لا يناسب هذا العصر ؟

ونسوا أن الصراع بين الحق والباطل هو معادلة صفرية حقاً ، ولا يمكن للدعوة أن تتنازل عن ذلك ، و “وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا” و “وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ” ، وهذا في الأفكار والقيم والمبادئ أما في تسيير أمور الحياة فالإسلام يحتوى الآخرين ويجعلهم يشاركون في الحياة لكن تحت راية مبادئه.

ز- يخترعون مفاهيم ومقاييس مخالفة لقواعد الديمقراطية ، فإذا بهم يسمون وجود أغلبية ومعارضة أنه انقسام للشعب.

فإذا كان الإخوان قد حازوا الأغلبية ، قالوا لهم إن الشعب منقسم.

وإذا كان الإخوان هم المعارضة وحازوا هم الأغلبية ، قالوا للإخوان أنتم متمردون على الشعب وقد رفضكم.

أيضاً يدّعون آليات جديدة على مفهوم الديمقراطية ، فيقولون للإخوان يجب أن تنتقلوا من المرحلة التنافسية السياسية إلى المرحلة التشاركية ثم إلى المرحلة التوافقية وأن تجعلوا هذا هدفكم وتقدموا ما يؤدى إليه.

وهذا التصور ليس من آليات الديمقراطية ، إن الديمقراطية تعنى التنافس ، وأن هناك معارضة وأغلبية يحددها صندوق الانتخابات وأن هناك آلية لتداول السلطة.

فالأصل في الديمقراطية هو التنافس وليس التوافق ، ولا بد أن يكون هناك معارضة وأغلبية ، وأىّ تصور يلغى وجود المعارضة ويلغى التنافس للوصول للحكم ، فإنه يضعف بذلك العملية الديمقراطية.

بل يتجاوز بعضهم فيقول إن الصندوق الانتخابى – الحر النزيه – لا يعنى الديمقراطية ولا يمثل إرادة الشعب.

ومع ذلك أيضاً فنحن نرحب بأى جهة تتوافق مع برنامجنا ، أو حتى جزء منه.

إن التنافس الديمقراطى تحكمه قواعد أساسية :

1- هناك دستور يحترمه الجميع.

2- الالتزام بسلمية التنافس.

3- عدم إقصاء المعارضة ، وعدم التعدى على حقوقها.

4- احترام صلاحية الأغلبية.

5- احترام الجميع لطبيعة النظام الديمقراطى ، وآلية تبادل السلطة.

وهذا التنافس السياسى الديمقراطى ، يختلف عن الصراع المذموم الذى يستهدف الفوضى وعدم الاستقرار في المجتمع ، سواء جاء هذا من المعارضة أم من الأغلبية.

ح – النتيجة لسنا مطالبين كبشر ضعيف وعاجز بتحصيلها ، وإنما الثبات في ذلك ، ثم يكون هناك قدر الله العامل الربانى هو الذى يحدد هذه النتيجة ويقدرها في الوقت وبالكيفية التي يشاؤها عز وجل.

خامساً :

كل ذلك يستهدف هزّ الثقة في نصر الله ، مع أنه لا يمكن لجيش يحارب جيشاً أن يبدأ في وضع تصور تحكمه استحالة المعادلة الصفرية ، وبالتالي يبدأ في إعداد نفسه للتفاوض عند الهزيمة قبل وعند بداية المعركة والمواجهة .

والتدرج في الخطوات – كناحية عملية حركية – هو في اتجاه هذا الهدف أي السعي لإقرار الحق والتمكين للمشروع الإسلامي وليس لجزء منه ، والتدرج والمرحلية يكون في اتجاه الهدف وليس بعيداً أو تشتيتاً عنه ، ولا يجب أن تغيب البوصلة مهما طال الزمن.

سادساً :

وأصحاب المشروع العلمانى في تعاملهم مع وجود أصحاب المشروع الإسلامي قد يسمحوا لهم كأفراد أو كقوة بسيطة غير مؤثرة على هيمنتهم ، فإذا أصبحوا خطراً يهدد السيطرة أو انحاز لهم الشعب رفضوا ذلك وعملوا على إقصائهم.

سابعاً :

لابد أن نكثر من الرجوع للقرآن وآياته وقصص الأنبياء وسيرة الرسول ﷺ لتترسخ في قلوبنا وعقولنا تلك الموازين ، ونزداد توكلاً على الله ، وهذا لا ينافى الأخذ بالأسباب ، بل هو حاكم وضابط لتلك الأسباب ، يقول ابن الجوزى : “أن تكون ببدنك مع الأسباب ، وبقلبك مع المسبب”.

 

ثامناً : ثلاث نظرات مترابطة :

أ- أن الله يصنع لنا ولدعوته.

ب- لكن معها : “وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ” ، فمع وعد الله لأم سيدنا موسى برده إليها إلا أنها قالت لأخته ” قصيه ” ، ومعها أيضاً ” وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ”.

جـ- “لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى” ، “وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا” ، جعل الله أسباب الهزيمة الحقيقية من داخل الصف ، أما الضغط الخارجي مهما اشتد فهو أذىً فقط ما دام الصف ثابتاً متمسكاً بأهدافه ومبادئه.

تاسعاً :  نتائج الأعمال وصحة القرار :

الله لن يحاسبنا على النتائج ، وإنما سلامة القصد وصحة الخطوات . فصحة القرار تقوم على :

إخلاص القصد ، وعدم حجب المعلومات ، والشورى.

فإن أصبنا كان لنا أجر الفائزين ، وإن أخطأنا كان لنا أجر المجتهدين ، ولا يجوز التشكيك فيه ما دامت تحققت تلك الأركان ، لكن من الناحية الموضوعية هو صواب يحتمل الخطأ ، ويأتي التقييم والتعديل من نفس المسار ومن الجهة صاحبة الصلاحية وبنفس القواعد.

مثال : الخروج لأُحد ، إرسال أصحاب وشهداء بئر معونة ، فداء أسرى بدر.

والنصيحة واجبة والاستماع لها واجب ، ولها ضوابطها وآدابها ، ولا ننسى العامل الربانى في المواجهة ، والنتيجة بيد الله ، ودورنا هو استفراغ الجهد البشرى ، فقد تقول الموازين المادية باستحالة تحقيق الأهداف أو هزيمة الباطل .. وينادى البعض – عندما تصل الدعوة إلى طريق مسدود في التخطيط البشرى – أن : غيروا أهدافكم وتراجعوا . فدورنا هو الثبات وليس التراجع أو التنازل أو اليأس .

وهذه نماذج :

1- سيدنا موسى رضي الله عنه وبنى اسرائيل ، عندما جاء الأمر باقتحام بلدة العماليق ، فالموازين المادية تقول أن هذا مستحيل (قوة الجسم – العدد – السلاح – ..) ، وبالتالي لا يمكن تحقيق النصر أو تحقيق المعادلة الصفرية ، ونفكر في معادلة أخرى ، هكذا كان تفكير بعض اليهود ، فتراجعوا وانسحبوا ، ونسوا أن هناك موازين أخرى تحكم الصراع بين الحق والباطل ، ثم عندما تابوا واستعدوا للجهاد تكرر نفس الموقف مع طالوت وجيشه في مواجهة جالوت ، لكن الطليعة المؤمنة أدركت تلك الموازين ، فهزموا هؤلاء العماليق بإذن الله.

2- غزوة بنى النضير : كانت حسابات اليهود أنهم أقوياء ولا يمكن هزيمتهم : “وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ ..” (الحصون ، المؤنة ، السلاح ، العدد ، تحالف المنافقين) ، وحسابات المسلمين كانت : “مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا” ، ولم يكن هناك معادلة للحل بخلاف تلك المعادلة الصفرية ، وهى صعبة جداً ، أو حتى الاتفاق على إجراء وسطى ، ثم جاء قدر الله فوق كل تقدير : ” فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ “.

3- الإخوان في مواجهة عبدالناصر : عندما رفض الإخوان في سجون عام 1954 تأييد عبدالناصر والانضمام لهيئة التحرير ، وقرروا الثبات على دعوتهم وتحمل المحنة الشديدة الطويلة.

عاشراً :

لسنا مثل أي حزب سياسى ، وبالتالي أي خطوة أو إجراء ننظر أولاً تأثيرها على المشروع الإسلامي ، في حروب الردة ومانعى الزكاة أصرَّ الصديق رضي الله عنه على حربهم رغم أن كل الحسابات ترى تأجيل ذلك ، وقال الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه “أينقص الدين وأنا حى” ، في حين كان رأى سيدنا عمر رضي الله عنه تقديراً للحسابات غير ذلك.

عند اتخاذ قرار حيوي أو كبير ، ننظر مدى تأثيره على أهداف الدعوة وعلى المشروع الإسلامي – هل يؤثر سلبياً أم إيجابياً ؟ –   .. إلخ ، وبالتالي ننحاز لأهداف وثوابت المشروع الإسلامي مهما كان الأمر.

وإذا اشتدت الأمور ، أو توقفت الوسائل لتحقيق الأهداف ، نثبت ونكل الأمر لله ، مهما كانت التضحيات.

حادى عشر :

إذا اختلطت الخيارات واحتار الإنسان في تحديد الموقف بوضوح ، نرد الأمر للثوابت والأصول في الدعوة ، فهى أساس التقدير والاختيار :

أ- الأنصار في غزوة بدر – وهم الأغلبية – كانت بيعتهم حماية الدعوة والرسول ﷺ في المدينة وليس خارجها ، وهم غير مستعدين للقتال ، ولا يمكن للمهاجرين في بدر أن يحاربوا إذا انسحب الأنصار ويواجهوا جيشاً يفوقهم عدداً.

لكن لأن مصلحة الدعوة هي الأساس ، وقد وضح فيها أن الانسحاب أمام الباطل هزيمة للدعوة وله الأثر السلبى عليها ، فردوا الأمر إلى هذا الأصل وقدر الله هذه المواجهة لتكون نصراً للإسلام.

ب- وفى غزوة الأحزاب كان أمام قادة الأنصار خيار أن يدفعوا لقبيلة غطفان ثلث ثمار المدينة لينسحبوا من حلفهم مع قريش ، وبالتالي تضعف الجبهة المعادية وتنسحب على أغلب الظن ، وكان هذا في مواجهة خيار آخر هو الصمود والثبات ، رغم أنه لا طاقة لهم بهذه القوات المعادية إذا اقتحمت الخندق أو دخلت المدينة ، فرفض الأنصار الخيار الأول لأن فيه إذلال لدولة الإسلام ، وتحريك طمع الآخرين فيها ، رغم أن الخيار الآخر ليس معه خطة واضحة في كيفية هزيمة الأحزاب.

جـ- الدعوات لا تتراجع عن أصولها وتموت في سبيل المحافظة عليها ولا تترخص في ذلك.

فموقف الإخوان من معارضة اتفاقية الجلاء 1954 والمطالبة بالحريات كان يمكن أن تسكت حتى لا تتعرض للإيذاء ، لكن كان توجيه الأستاذ الهضيبى لهم أن هذا شأن أصحاب الدعوات ، تموت في سبيل دعوتها والثبات عليها.

ثانى عشر :

النصر بالكيفية وفى التوقيت .. هو من عند الله وليس من عند أنفسنا :

” وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ” ، فهو يدبر كل شيء بحكمته وعلينا : الثبات ، التجرد ، حسن التوكل وتعلق القلب بالله ، التضحية مهما كانت ، اليقين في تأييد الله ونصره.

ففي غزوة الأحزاب ، هل كان أحد يتخيل أن يتم النصر بالريح والرعب ؟ .. وهل كان أحد يتخيل النصر في معركة بدر ؟

وهل كان طالوت ومن معه يتخيلون كيف ستنتهى المعركة مع جالوت وجيشه الضخم ؟ .. وهل كان أحد يتصور المسار والنتيجة في غزوة تبوك ؟  وهم قد ذهبوا لحرب طاحنة مع الروم.

ثالث عشر :

جرت سنة الله أن يكون هلاك الظالمين من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون ، بل أهلكهم الله من حيث يظنون النجاة ، كما حدث مع قوم شعيب “فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ”.

وهزيمة بنى النضير ” فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ” بعد أن حسبوا كل شيء ، فأخرجهم الله من غير أن يكلف المسلمين صداماً مسلحاً أو قتالاً ضارياً.

أشد أوقات المحنة هي التي تسبق النصر ” مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ” ، ” هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ” ، وكان دعاء النبى ﷺ يوم بدر “اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض”.

وقد تكون النهاية في غاية القرب وظواهر الأمور على عكسها تماماً ، كهلاك فرعون وجنوده.

رابع عشر :

وقت الشدة والمحنة واضطراب الأمور تكون النجاة في :

الالتفاف حول القيادة ووحدة الصف ، وهذا الأمر وعدم مراعاته كان سبباً في الفتنة وإراقة الدماء في خروج سيدنا معاوية رضي الله عنه على سيدنا على رضي الله عنه.

“والأخوة بعد الاعتصام بالله هي سلاحنا الأساسى ، فاحرصوا عليها ولا يشغلنكم عنها المشاغل الزائلة ولا الأوهام القاتلة” الإمام البنا.

خامس عشر :

يوضح الإمام البنا موضوع الجهاد ومشروعية القتال في الإسلام حتى لا يقع الفهم بين الإفراط أو التفريط ، فيقول عن ذلك في رسالة ” أصول الإسلام كنظام اجتماعى ” : (الإسلام شريعة السلام ودين المرحمة ما في ذلك شك , لا يخالف هذا إلا جاهل بأحكامه أو حاقد على نظامه أو مكابر لا يقتنع بدليل ولا يسلم ببرهان …).

القاعدة الأساسية التي وضعها الإسلام للحياة هي ولا شك الطمأنينة والسلام والاستقرار ، ولكن الإسلام مع هذا دين يواجه الواقع ولا يفر منه.

وحين تكون الحرب لردع المعتدي وكف الظالم ونصرة الحق والانتصاف للمظلوم تكون فضيلة من الفضائل.

وحين تكون تحيزا وفسادا في الأرض واعتداء على الضعفاء تكون رذيلة اجتماعية وتنتج السوء والشر والفساد في الناس.

وفى الوقت الذي يقرر الإسلام فيه هذا الواقع يحرم الحرب ويسمو بها ولا يدعو إليها أو يشجع عليها إلا لهذه الأغراض الأساسية السامية العالية الحقة:

1 – رد العدوان والدفاع عن النفس والأهل والمال والوطن والدين.

2 – تأمين حرية الدين والاعتقاد للمؤمنين الذين يحاول الكافرون أن يفتنوهم عن دينهم.

3- حماية الدعوة حتى تبلغ إلى الناس جميعا ويتحدد موقفهم منها تحديدا واضحاً ، فلا بد أن تزول من طريقها كل عقبة تمنع من إبلاغها ولا بد أن يعرف موقف كل فرد وكل أمة بعد هذا البلاغ ، وعلى ضوء هذا التحديد تكون معاملة الإسلام وأهله للناس: فالمؤمنون إخوانهم , والمعاهدون لهم عهدهم , وأهل الذمة يوفى لهم بذمتهم , والأعداء المحاربون ومن تخشى خيانتهم ينبذ إليهم فإن عدلوا عن خصومتهم فبها وإلا حوربوا جزاء اعتدائهم حتى لا يكونوا عقبة في طريق دعوة الحق أو مصدر تهديد وخيانة لأهلها لا إكراها لهم على قبول الدعوة ولا محاولة لكسب إيمانهم بالقوة.

4 – تأديب ناكثي العهد من المعاهدين أو الفئة الباغية على جماعة المؤمنين التي تتمرد على أمر الله وتأبى حكم العدل والإصلاح.

5 – إغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا والانتصار لهم من الظالمين … فكل ما سوى هذه الأغراض الإنسانية الإصلاحية الحقة من المقاصد المادية أو النفعية فإن الإسلام لا يجيز الحرب من أجلها بحال من الأحوال …) أ.هـ [رسالة أصول الإسلام كنظام اجتماعى باختصار].

كما تكلم الإمام البنا عن أن الجهاد له شروطه وآليات للإعداد له ، وليس أن يندفع فرد أو مجموعات من الأفراد يرفعون السلاح ويسمون هذا جهاداً ، وأشار رحمه الله أن هذا هو من “الجهاد الخاطىء”.

سادس عشر :

إن استفراغ الوسع والقدرة البشرية في إعداد الفرد أو الجندى لمعركة المواجهة ، هو تكليف ربانى ، ولا يجب التقصير فيه وإن كان سقف الإمكانيات المتاحة محدوداً ، إنما الجانب الأهم الذى يجب أن يركز عليه المربى ، كما قال اللواء صلاح شادى : هو تلقين الجندى ممارسة الحاجة إلى الله وهو في خضم الأحداث ، ولا يتأتى ذلك فقط بقراءة الأوراد أو الأذكار ، وإنما يتأتى ذلك بممارسة الشعور بذكر الله وحضوره معه – والحاجة إليه – وهو محوط بالمخاطر مشدود إلى الأهوال.

أما الاستعاضة عن ذلك بتلقين الجندى وصفاً رائعاً لصموده أو لذكائه وعبقريته أو لبراعة حركته ، فأمر لا ينفعه ، ويذكر أيضاً ما حدث للإخوان في محنة 1954 ، 1965  “فصمد لها من استأهل ستر الله” وأحسَّ بضعفه فسارع بالركون إلى الله وليس إلى نفسه وقدرته ، وطلب العون منه سبحانه وتعالى ، وهو قد حذرنا “وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ”.  [ كتاب حصاد العمر لـ أ . صلاح شادى ص 92 : 93 ، باختصار ]

ضع تعليقك