– طبيعة طريق الدعوة الإسلامية ، تختلف فى كثير من الأمور ، عن غيرها من الدعوات الأرضية أو تلك التى ترفع راية جزئية للإصلاح وليس الراية الإسلامية ، فطريق الدعوة لا بد أن يمر بالامتحانات والابتلاءات ، ولا بد من تمحيص أصحاب الدعوة واختبار ثباتهم واستمرارهم على دعوتهم . وليس وارداً عندهم التخلى عن الراية الإسلامية أو عن ثوابت الدعوة وهى ثوابت الإسلام .

– وبالنظر إلى تاريخ دعوة الإخوان المسلمين ، نرى محطات كثيرة من المحن والابتلاءات فى هذا التاريخ ، ومع كل محطة تظهر تساؤلات ويطرح البعض مسألة التراجع والتنازل المؤقت من باب المداراة والأخذ بالرخصة ، مع العلم أن حامل الدعوة ورافع لوائها الأصل عنده الأخذ بالعزيمة وليس الترخص ( والذى قد يسع عموم الناس ) .

وسأعرض هنا باختصار بعض الأطروحات والأقوال ، وأكتفى بالردّ عليها من كلمات الإمام البنا رحمه الله ، والتى أوردها فى رسائله وهى كافية للإجابة على كثير مما يجرى اليوم .

ومن هذه الأطروحات التى يطرحها البعض :

  • إخفاء الراية الإسلامية .
  • ترك العمل السياسى .
  • تعديل الأهداف العامة والتى فيها إصلاح الحكم وغيره من أمور السياسة .
  • الاكتفاء بالعمل الدعوى المجتمعى .
  • عدم ترشيح الجماعة لأحد فى البرلمان أو إبداء رأيها فى أمور الوطن .
  • ابتعادها عن آليات الحراك السياسى والنضال الدستورى من إصدار البيانات وعمل المظاهرات .. إلخ .
  • فصل الذراع السياسية أو الحزب الذى يمثل ذلك عن الجماعة ؛ بحجة فصل العمل الحزبى عن العمل الدعوى . ولم يحدد صاحب ذلك الطرح ما هى الأعمال الحزبية أو السياسية الممنوع من الجماعة ممارستها ، ولماذا هذا التعديل ؟ ، وهل نقبل أن يصبح الحزب رأساً مستقلاً تمام الاستقلال وليس ذراعاً تنفيذياً لها ، مما يفصله عن تاريخ الإخوان وثقلها التاريخى والاجتماعى . هل المطلوب من الجماعة أن تتكلم عن السياسة كلام فقط دون تربية أفرادها وقيام الجماعة بدورها حسب ما أرسته من مفاهيم وأهداف ؟

لا بد من الرجوع للثوابت ومبادىء الدعوة :

– إن مجرد الإعلان عن الفهم الشامل للإسلام الذى يؤسس ويضع القواعد لكل مجالات الحياة ، لا بد أن يُصاحب ذلك الأسلوب العملى الذى يترجم ذلك ، ولا بد أن يصاحبه رؤيتها وخطتها العملية لتحقيق ذلك الإصلاح .

– لقد جعل الإمام البنا تحرير الوطن وإصلاح الحكم من مراتب العمل والأهداف العليا التى تعمل عليها الجماعة ، وقال إن هذا واجب الجماعة وواجب الفرد باعتباره جزءاً من الجماعة .

– لقد تعرضت الجماعة فى قضية فلسطين واغتصاب الصهاينة ، لأكبر عملية ضغط ومساومات وتهديد ، بل وقتل وسجن طوال تاريخها ، لكى تتراجع وتتنازل عن موقفها المبدأى فى تلك القضية ، لكنها رفضت وقدمت الشهداء وعلى رأسهم الإمام البنا رحمه الله .

– إننا لا نخشى على الدعوة والجماعة حتى لو قامت عليها أمم الأرض جميعاً ، لكنها إذا تركت مبادئها وركنت إلى نفسها ، ولم تُخلص فى تجردها ، أو انقطعت صلتها بالله ، وإذا تنازعت فيما بينها ، فلن ينفعها أى شىء حتى ولو رحبت بها أمم الأرض وهيأت لها الطريق .

– هناك فرق كبير بين المرونة فى مواجهة الواقع ، وبين التراجع والانزلاق إلى أن نتجاوز الثوابت ، هناك فرق كبير بين الثبات على مبادئنا ومنهجنا وبين التماس الرخص والهزيمة أمام الواقع ، فنحن أصحاب دعوة ، و ” من شأن أصحاب الدعوات أن تموت فى سبيل مبادئها “ كما قال إمامنا المستشار حسن الهضيبى رحمه الله .

وإذا كان للناس أن تسكت عن إعلان مبدأ وموقف يفرضه الإسلام ، فإن الجماعة لا يمكن أن تسكت مهما كانت التضحيات ، وقد أعلنت الجماعة موقفها الثابت من قضية فلسطين ومن رفض الإقرار للغاصبين ، وأعلنت موقفها من معاهدة الجلاء أيام عبدالناصر والتى كانت تنتقص من سيادة مصر رغم التهديد والوعيد ، وتاريخها الطويل ملىء بكثير من تلك الأمثلة .

فالمرونة تكون فى الوسائل وليس فى المبادىء ، فقد تأتى مرحلة لا ترشح الجماعة فيها سوى عدد قليل من الأفراد للبرلمان ، وقد تأتى دورة لا ترشح فيها أحداً من أفرادها وإنما تؤيد آخرين .. فكل هذا مرونة وتقدير للواقع ، أما أن يكون هذا منهجاً أساسياً بأن لا علاقة لها بالترشح فى البرلمان ، ولا دخل لها به ، فهذا هو التراجع وهذا هو الخروج عن منهج الجماعة .

إن المواجهة والتدافع هى سنة الله فى الدعوات :

وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ…. ” ( الحج 40 )

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا .. ” ( الحج 38 )

وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) ” ( إبراهيم 46 ، 47 )

ولهذا ليس فى تفكير أصحاب الدعوات ، الهروب من تلك المدافعة  والمواجهة أو التراجع أمامها ، إنما الثبات مع الجهد البشرى لمواجهة ذلك ، توكلاً واعتماداً على الله ويقيناً بنصره وتأييده ، وردّ الأمر كله إليه .

وما يقوم به الإخوان – ومن يؤيدهم من الشعب – من ثورة ومواجهة ضد الانقلاب وحكم العسكر وما قدموه وما زالوا من تضحيات دون أى تنازل عن أهدافهم ومبادئهم مثال عملى على ما نقول .

نحن والواقع العالمى :

– الواقع العالمى عندما يتعامل معه البعض فإنهم يتأثرون بمظاهره ومواقفه دون الإلمام العميق بمواطن الضعف فيه ، ويخلصون إلى قضية ليست جديدة وهى أن الواقع العالمى يرفض قبول الإخوان كقوة سياسية ويرفض أن تصل إلى الحكم .

وبالتالى يكون التساؤل منهم هنا ، لماذا لا تقبل الجماعة أن تعمل فى مجال إصلاح المجتمع ؟ ، لكن يلحق بهذا التصور : هل الواقع العالمى يقبل بوجود الجماعة كقوة اجتماعية كبيرة مؤثرة تغيّر سلوكيات ومفاهيم غالبية المجتمع ، وهل يقبل بها كقوة اقتصادية خارج إطار الهيمنة الدولية ؟ .

الواقع أنهم فقط يقبلون بها ككيان مجتمعى محدود يسهل السيطرة عليه واحتواؤه ولا يهدد مشروعهم ، بل بعضهم لا يريد أن يسمح حتى بذلك .

فهل توافق الجماعة على ذلك ؟ ، ومنذ متى ودعوة الإسلام وحملة رايته يتوقعون أن ترضى بهم دول الغرب ، أو أن دولة الإسلام ستقوم بموافقة أمريكا أو غيرها .

توضيح بشأن منهج الإخوان وأقوال الإمام البنا فى ذلك :

لم يكتف الإمام البنا بتوضيح الفهم الشامل للإسلام ، وأنّ مبادئه تنتظم شئون الحياة كلها بما فيها الشأن السياسى ، وإنما مارس العمل السياسى وفق مبادئه الإسلامية ومنهجه الإصلاحى ، فجعل ( تحرير الوطن من كل سلطان أجنبى ، وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق ) من مراتب العمل الأساسية وأهدافها الكبرى التى تعمل عليها الجماعة ، ودفع بأفراد من الإخوان للترشح لدخول البرلمان ، وترشح هو نفسه أيضاً مرتين ، وقاد المظاهرات ، وأرسل كتائب الإخوان للدفاع عن فلسطين ضد عصابات صهيون ، كما أرسل رؤيته ومطالبه بإصلاح القانون والدستور وإصلاح الحياة السياسية فى مصر … إلخ .

فإذا جاء أحد لسبب من الأسباب يطالب الإخوان بعدم العمل فى المجال السياسى والابتعاد عن ذلك والاكتفاء بالعمل المجتمعى ، فإنه يكون قد خرج بذلك عن المنهاج والطريق الذى أسسه الإمام الشهيد .

وإذا جاء من يقول للجماعة : لا تسعى لدخول البرلمان أو ألا يكون لها ذراع سياسى ( يحمل جزءاً كبيراً من مشروعها السياسى ويتشكل وفق النظام القانونى ومنطلقه مبادىء الإسلام ومرجعيته العامة للجماعة ) ، أو ذهب فى تصوره أن يستقل ذلك الحزب عنها ولا صلة له بها . فقد انتزع حقاً أساسياً من حقوقها وخرج فى تصوره على منهاجها الذى أرساه الإمام .

وهذه وقفات قصيرة مع مقتطفات من أقواله وتوجيهاته :

1) حول موقف الغرب المعادى للإسلام ، ومدى تأثيره على الدعوة :

– يقول الإمام البنا فى رسالة ” مؤتمر رؤساء المناطق “ عام 1945 :  ” .. إننا لا نكره الأجانب ولا نريد أن نقطع صلات التعاون بيننا وبينهم ، ونحن نعلم تماماً أننا لا نستغني عن رؤوس أموالهم وعن خبرتهم الفنية ، ولكنا لا نريد كذلك أن يكون هذا التعاون علي قاعدة أن لهم الغنم وعلينا الغرم .. ” .

– وحول طلب البعض عدم الجهر بالراية الإسلامية أو النظام الإسلامى ، حتى لا يعادينا الغرب ، يحسم الإمام البنا هذا الموضوع ، فيقول في رسالة ” مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامى ” عام 1947 : ” .. وقد يقال إن الجهر بالعودة إلى نظام الإسلام مما يخيف الدول الأجنبية و الأمم الغربية ، فتتألب علينا وتتجمع ضدنا ، ولا طاقة لنا بهم ولا قدرة لنا عليهم ، وهذا منتهى الوهن وغاية الفساد في التقدير  وقصر النظر … هذه الدول وقد سايرناها في نظمها ، وأخذنا بألوان حياتها … فهل أغنى ذلك عنا شيئا ؟! وهل دفع من كيدها ؟ وهل منعها من أن تحتل أرضنا ، وتسلب استقلالنا وتستأثر بخيرات بلادنا ؟ … ولا تتأثر إلا بشيء واحد هو ظروفها ومصالحها فقط … إذن فلن يجدينا شيئاً عندهم أن نتنصل من الإسلام ، ولن يزيدهم فينا بغضاً أن نعلن التمسك به والاهتداء بهديه … ” .

ويقول أيضاً : ” .. إننا إن لم نتمسك بالإسلام ، فلن نكسب رضاهم وسنخسر أنفسنا ، في حين أننا إذا تمسكنا به وتجمعنا من حوله واهتدينا بهديه كسبنا أنفسنا ولا شك ، وكان هناك احتمال قوى أن نكسبهم أيضاً بتأثير قوة الوحدة ، فأي الرأيين أولى بالاتباع يا أولي الألباب ؟ ! ” . رسالة ( مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامى )

وبنفس القياس في مسألة رفع راية الإسلام والعمل الكامل له ، والتى يؤكد عليها الإمام البنا .

2) حول التمسك بالصبغة والراية الإسلامية :

يقول الإمام البنا عن دعوة الإخوان المسلمين : ” إنها دعوة أجمع ما توصف به أنها دعوة إسلامية ” . ( رسالة دعوتنا عام 1935 )

ويقول : ” لقد أعلنتم من أول يوم : أن دعوتكم ” إسلامية صحيحة ” على الإسلام تعتمد ومنه تستمد .. ” مؤتمر رؤساء المناطق 1945 .

ويقول في رسالة دعوتنا هذه المعانى الهامة :

* ” إن دعوة الإخوان المسلمين دعوة مبدأ ” ،

* ” إن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من أحاطها من كل جوانبها ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته .. ” ،

* ” .. فهى دعوة لا تقبل الشركة ، إذ أن طبيعتها الوحدة ، فمن استعد لذلك فقد عاش بها وعاشت به .. ” .  ( رسالة دعوتنا 1935 )

– وحتى لا تهتز مفاهيم الإخوان تحت أىّ ضغط أو مقابل أىّ إغراء أو يقيسوا أنفسهم بغيرهم أو يظنوا أن دعوتهم مثل باقى الدعوات الأرضية فينهجوا نهجها ، يقول الإمام البنا للإخوان بل وللناس جميعاً :

نحن أيها الناس ـ ولا فخر ـ أصحاب رسول الله r وحملة رايته من بعده ، ورافعو لوائه كما رفعوه ، وناشرو لوائه كما نشروه ، وحافظو قرآنه كما حفظوه ، والمبشرون بدعوته كما بشروا ، ورحمة الله للعالمين ( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ .. ) (صّ:88)

أيها الإخوان المسلمون : هذه منزلتكم ، وتلك طبيعة دعوتكم ، فلا تصغروا في أنفسكم ، فتقيسوا أنفسكم بغيركم ، أو تسلكوا في دعوتكم سبيلا غير سبيل المؤمنين ، أو توازنوا بين دعوتكم التي تتخذ نورها من نور الله ومنهاجها من سنة رسوله ، بغيرها من الدعوات التي تخلقها الضرورات ، وتذهب بها الحوادث والأيام .. “  ( رسالة الإخوان المسلمون تحت راية القرآن ، عام 1939 )

3) إقامة الحكم الإسلامى من أهداف الإخوان :

يؤكد الإمام البنا بوضوح على أهمية هذا الهدف وعلى مسئولية الجماعة في العمل له حتى يتحقق ، ويعلن ذلك منذ أول يوم ، ويجعله من مراتب العمل الأساسية ، يقول فضيلته :

.. أذكروا دائماً أن يكون لكم هدفين أساسيين :

1- أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي … .

2- أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي وتعلن مبادئه القويمة ، وتبلغ دعوته الحكيمة الناس  ، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعاً آثمون مسؤولون بين يدي الله العليّ الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها .. ” . ( رسالة بين الأمس واليوم ، عام 1943 )

ويقول : “ .. إذا قيل لكم إلام تدعون ؟ … فقولوا : ندعو إلي الإسلام الذي جاء به محمد r  والحكومة جزء منه ، والحرية فريضة من فرائضه ، فإن قيل لكم : هذه سياسة ! ، فقولوا : هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام ” . ( رسالة بين الأمس واليوم ، عام 1943 )

– وفى رسالة المؤتمر الخامس 1939 ، يذكر الإمام البنا تساؤل بعض الناس : هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يكونوا حكومة وأن يطالبوا بالحكم ؟

كان في إجابته القاطعة الواضحة : “ هذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركناً من أركانه ، ويعتمد علي التنفيذ كما يعتمد علي الإرشاد ..

ويستكمل قائلاً : ” .. إن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف ..

.. فلتعلم الأمة ذلك ، ولتطالب حكامها بحقوقها الإسلامية ، و ليعمل الإخوان المسلمون .. ” . ( رسالة المؤتمر الخامس ، عام 1939 )

وقد أوضح الإمام البنا في نفس الرسالة وغيرها من رسائله ، وسائل الإخوان المسلمين التى تشمل نشر الدعوة وتربية الشعب وتكوين الركائز والجيل الذى تقوم على أكتافه مهمة الإصلاح ، والنضال الدستورى والكفاح السياسى .. إلخ .

– ويتكلم الإمام البنا في رسالة أخرى عن ثورية الإصلاح في إزالة الفساد والاستبداد وعدم مهادنته : ” أما كيف نتخلص من ذلك ، فبالجهاد والكفاح .. فنخلص من ذلك كله بتحطيم هذا الوضع الفاسد ، وأن نستبدل به نظاماً اجتماعياً خيراً منه ، تقوم عليه وتحرسه حكومة حازمة تهب نفسها لوطنها وتعمل جاهدة لإنقاذ شعبها ، يؤيدها شعب متحد الكلمة متوقد العزيمة قوي الإيمان  .. ” . ( رسالة المؤتمر السادس ، عام 1941 )

ويقول في نفس الرسالة أن الإخوان المسلمين يعملون : “ لتحيا من جديد دولة الإسلام ، ولتشمل بالنفاذ هذه الأحكام ، ولتقوم في الناس حكومة مسلمة تؤيدها أمة مسلمة ، تنظم حياتها شريعة مسلمة أمر الله بها نبيه r .. ” . ( رسالة المؤتمر السادس ، عام 1941 )

– ويؤكد ذلك أيضاً – وكان هذا في ظروف الحرب العالمية الثانية والانجليز متربصون به وبدعوته – ، فيقول : ” ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة التي تقود هذا الشعب إلى المسجد ، وتحمل به الناس على هدى الإسلام من بعد ، كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ” . ( رسالة إلى الشباب ، عام 1940 )

– كما جعل الإمام البنا مقياس صحة النظم الحاكمة ومدى حاجتها إلى الإصلاح ، هو مدى إقرارها وتطبيقها لمبادىء الإسلام في الحكم ، فقال : ” ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يستمد منه … وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره ، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام .. “ . ( رسالة إلى الشباب ، عام 1940 )

– ويقول في رسالة نظام الحكم في الإسلام عام 1947 : ” .. فلا تقوم الدولة الإسلامية إلا على أساس الدعوة ، حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة ، ولا حكومة مادة جامدة صماء لا روح فيها ، كما لا تقوم الدعوة إلا في حماية دولة تحفظها وتنشرها وتبلغها وتقويها .. “ .

فهل الحزب الذى لا يرفع راية الإسلام في منهجه ، عندما يصل إلى الحكم هل يستطيع أن يقيم دولة الإسلام كما يريد الإخوان المسلمون ؟ ، إن كلمات الإمام البنا ترد على ذلك .

4) العمل الدعوى يشمل العمل السياسى ، ولا ينفصلان في نشاط وأهداف الجماعة :

– منهج الإمام البنا العملى وتوجيهاته للجماعة كان يؤكد على شمولية العمل للإسلام ، وللأهداف التى حددها الإمام البنا للمشروع الإسلامى ، ولم يكن هناك ما يُسمى الفصل بين الدعوى والسياسى في منهج الجماعة .

يقول الإمام البنا : ” فمن ظن أن الدين – أو بعبارة أدّق الإسلام – لا يعرض للسياسة ، أو أن السياسة ليست من مباحثه ، فقد ظلم نفسه ، وظلم علمه بهذا الإسلام .. ” . ( رسالة نظام الحكم ، عام 1947 )

، “ .. إن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا ، بعيد النظر في شؤون أمته ، مهتما بها غيوراً عليها .. ” . ( مؤتمر طلبة الإخوان ، عام 1938 )

، ” .. إن الإخوان ما كانوا يوماً من الأيام غير سياسيين ، ولن يكونوا يوماً من الأيام غير مسلمين ، وما فرقت دعوتهم أبداً بين السياسة والدين ولن يراهم الناس في ساعة من نهار حزبيين .. ومحال أن يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوي فكرتهم أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف :(صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (البقرة:138)  ” . ( رسالة مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين )

ويقول في عام 1937 في رسالة المنهج ، موضحاً مجالات عمل الإخوان ومنها الترشح لدخول البرلمان وهو من صميم العمل السياسى : فبالإضافة إلى ما ذكره من مجالات الخدمة العامة وعمال البر والخير ، يقول : ” .. خدمة القضايا الإسلامية العامة كقضية فلسطين وقضية المغرب ، وفى القضايا الداخلية الهامة كدخول مجلس النواب وتشجيع المرشحين للانتخابات إن كانوا من الإخوان ، ومقاومة الحزبية وإبداء الرأى في كل شأن يهم الأمة ، بحيث يكون لهم في كل ناحية من النواحى الحيوية عمل وجهاد ومساهمة ورأى معروف إيجابى .. “ ( رسالة المنهج ، عام 1937 )

وهكذا كانت الرؤية واضحة ، ومنهاج العمل محدداً منذ البداية .

ويقول : “ .. فليكن ذلك من صميم السياسة الداخلية والخارجية ، فإنما نستمد ذلك من الإسلام ، ونجد بأن هذا التفريق بين الدين والسياسة ليس من تعاليم الإسلام الحنيف ، ولا يعرفه المسلمون الصادقون في دينهم ، الفاهمون لروحه وتعاليمه ، فليهجرنا من يريد تحويلنا عن هذا المنهاج ، فإنه خصم للإسلام أو جاهل به ، وليس له سبيل إلا أحد هذين الوضعين .. ” . ( رسالة إلى الشباب ، عام 1940 )

ويتكلم عن الحزبية ، فيقول :

.. إن الفارق بعيد عن الحزبية والسياسة ، وقد يجتمعان وقد يفترقان ، فقد يكون الرجل سياسياً بكل ما في الكلمة من معانٍ ، وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إليه ، وقد يكون حزبياً ولا يدري من أمر السياسة شيئاً، وقد يجمع بينهما فيكون سياسياً حزبياً أو حزبياً سياسياً على حد سواء ، وأنا حين أتكلم عن السياسة في هذه الكلمة فإنما أريد السياسة المطلقة ، وهى النظر في شؤون الأمة الداخلية والخارجية غير مقيدة بالحزبية بحال .. ” . ( رسالة مؤتمر طلبة الإخوان ، عام 1938 )

ويقول حول أهمية الكفاح السياسى ، وعدم فصله عن العمل الاجتماعى : ” إن الواجب المحتوم ينادى كل هيئة ، ويهيب بكل عامل مهما كان ميدانه أن يكون هدف الجميع واحداً : هو استخلاص الحقوق والنضال الكامل المجتمع في سبيلها ، وكل تقصير في ذلك يُعتبر جريمة لا تغتفر ، ولهذا يرى الإخوان أول واجباتهم في هذا الظرف أن يتجهوا بكل قواهم إلى هذا الميدان الوطنى ، وهم مع هذا لن يهملوا أبداً الميدان الاجتماعى .. ” . ( رسالة مؤتمر رؤساء المناطق ، عام 1945 )

5) حول اهتمام الإخوان بالترشح للبرلمان ، وأنه جزء من خطتهم حسب المرحلة والواقع الذى يمرون به :

– يؤكد الإمام البنا أن دخول الإخوان للبرلمان من وسائل الدعوة الأساسية ، فيقول : “ أما وسائلنا العامة ، فالإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر ، حتى يفقهها الرأي العام ويناصرها عن عقيدة وإيمان ، ثم استخلاص العناصر الطيبة لتكون هي الدعائم الثابتة لفكرة الإصلاح .. ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية .

وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحو الإخوان المسلمين حين يجيء الوقت المناسب إلى الأمة ليمثلوها في الهيئات النيابية .. ” . ( رسالة المؤتمر السادس ، عام 1941 )

فهل هذا يتماشى ويتفق مع من يريد أن يمنع الجماعة من ذلك ، أو يجعل هذا مقصوراً على حزب الجماعة بعد أن يقطع صلته بالجماعة ولا يمثل الذراع السياسية لها ، ويستقل تماماً عنها ؟

– ” في يناير 1941 قرر المؤتمرون ( في المؤتمر الدورى السادس للإخوان المسلمين ) الإذن لمكتب الإرشاد بترشيح الأكفاء من الإخوان للهيئات النيابية المختلفة ، ليرفعوا صوت الدعوة وليعلنوا كلمة الجماعة فيما يهم الدين والوطن ” .

وقد قررت الهيئة التأسيسة بعد ذلك خوض غمار الانتخابات ، ورغم ظروف حلّ الجماعة إلا أن بعض الإخوان ترشحوا في انتخابات 1950 ، كما أن الوفد نجح بتأييد الإخوان في تلك الانتخابات .

– ويقول الإمام البنا في عام 1948 ، في استعراض مجالات النشاط لنشر دعوة الإخوان : ” وبقى عليهم – أى الإخوان – بعد ذلك أن يصلوا بهذه الدعوة الكريمة إلى المحيط الرسمى ، وأقرب طريق إليه ” منبر البرلمان ” ، فكان لزاماً على الإخوان أن يزجوا بخطبائهم ودعاتهم إلى هذا المنبر لتعلوا من فوقه كلمة دعوتهم ” . ( رسالة الإخوان والانتخابات ، عام 1948 )

ويسرد الإمام البنا في تلك الرسالة بعض فوائد الترشح ، فيقول : “وهذه فوائد مقطوع بها مهما كانت النتيجة الانتخابية” .

ويرد على تساؤل بعض الناس :

ويتساءل فريق من الناس ، فيقولون : أليس معنى هذا الاشتراك أن الإخوان سيخرجون من حيزهم الدينى إلى حيز سياسى فيصبحون هيئة سياسية بعد أن كانوا هيئة دينية ؟ ، ونقول لهؤلاء : إن الإسلام لا يعترف بهذا التفريق بين الأوضاع في حياة الأمة الواحدة ..

، “ .. وتكون النيابة البرلمانية حينئذ هى الوسيلة المثلى لتحقيق هتاف ( هدف ) الإخوان .. ” . ( رسالة الانتخابات ، عام 1948 )

– وكرر الإمام البنا ردّه على مثل تلك التساؤلات ، ففى رسالة ” المؤتمر السادس ” ذكر الإمام البنا تساؤل بعض الناس : ما للإخوان والبرلمان ؟ ، فأجاب : ” أقول لهذا القائل في صراحة ووضوح : أيها الأخ .. أما أننا سياسيون حزبيون  نناصر حزباً ونناهض آخر ، فلسنا كذلك ولن نكونه … وأما أننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا ، ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه ، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه وفريضة من فرائضه ، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك  … ” . ( رسالة المؤتمر السادس ، عام  1941 )

6) الجماعة هيئة جامعة لا تنحصر في هيئة موضعية الأغراض أو مجرد جمعية خيرية :

– يرفض الإمام البنا أن ينحصر عمل الجماعة في مجال المجتمع والأعمال الخيرية دون العمل السياسى والإصلاح العام لأوجه الحياة ، فيقول عن هيئة الإخوان المسلمون : ” .. فلا هى جمعية خيرية ، ولا هى مؤسسة اجتماعية ، وإن كانت تعمل الخير وتخدم المجتمع .. ” ، ” .. هل يتوهم أحد أن تكون في عرف القانون وفى منطق الأوضاع كجماعة لتكفين موتى الفقراء ؟ وجماعة قطرة الحليب ؟ وجماعة أنصار الإحسان ؟ .. ” . ( رسالة مؤتمر رؤساء المناطق، عام 1945 )

– ويقول : ” أيها الإخوان : أنتم لستم جمعية خيرية ، ولا حزباً سياسياً ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد ، ولكنكم روح جديد يسرى في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن .. ” . ( رسالة بين الأمس واليوم ، عام 1943 )

7) طريق الدعوة وما سيواجهه الإخوان من محن وأزمات :

– عندما يخاصم الناس والدول ، الدعوة ، فإن الإمام البنا يؤكد على مبدأ عام ، فيقول :

وليست الدعوة ولا أصحاب الدعوة بمكلفين بأن يتجنبوا طرائق نجاحها خشية الناس ، والله أحق أن تخشاه ..

وحسب الدعوة وأصحاب الدعوة شرفاً ألا يخاصموا الناس في الباطل ، بل في الحق .. ” . ( رسالة الإخوان والانتخابات ، عام 1948 )

– وحول ما سوف يصيبهم من ابتلاءات ومحن .. يقول : ” .. وستدخلون بذلك – ولا شك – في دور التجربة والامتحان ، فتسجنون وتعتقلون ، وتشردون ، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم ، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان … فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله .. ” . ( رسالة بين الأمس واليوم ، عام 1943 )

– كانت كلمات الإمام البنا حاسمة واضحة لمن أراد أن يحمل الراية ولا يتراجع أو يتخاذل أو يخرج عن منهج الدعوة ، ولكى يكون على بصيرة بسبيل المؤمنين .. ، فيبشرهم بعد هذا : ” ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين ” .

– وبعد فهذه إطلالة سريعة من كلمات وتوجيهات الإمام الشهيد ، نُعَرِّف بها الطريق ، ونُثَبت بها الأقدام ، ونرد على التساؤلات .

والله أكبر ولله الحمد