الإمام البنا ومواجهة الاحتلال الإنجليزي لمصر

الإمام البنا ومواجهة الاحتلال الإنجليزي لمصر

مقدمة 

إن المشروع الإسلامي الذي أحياه وجدده الإمام الشهيد، مازال مستمرا وسيظل بإذن الله ليحقق أمل الأمة الإسلامية ويواجه التحدي العالمي ، بقدم ثابتة ورؤية متكاملة .

ونحتاج أحيانا إلى إلقاء بعض الضوء على جوانب ومجالات جاهد فيها الإمام الشهيد ، ووضع لها مسارات واستراتيجيات ؛ وذلك لنتعرف بدرجة أكبر على أبعاد المشروع الإسلامي ، وعلى وسائل وميادين العمل الدعوي ، وعلى جوانب مـن الإنجاز العملي تجاه قضايا وأحداث هامة.

وهذه الدراسة الموجزة لا تعني أنها قد ألمت وأحاطت بكل الحقائق والأبعاد ، ولكنها مجرد إلقاء لضوء بسيط ، وسيبقى الأمر في حاجة إلى مزيد من إلقاء الضوء ، وكشف جميع الحقائق والأعمال ؛ أداءً لأمانة الدعوة في حقها علينا وحق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها .

وهو يدخل ضمن سلسلة :

المفاهيم الإسلامية في مجال الدعوة

والله الموفق وهو الهادي لسواء السبيل .

 

 تمهيد

الاحتلال الإنجليزي لمصر

احتل الإنجليز مصر عام 1882، وقد تمكنوا من استيعاب المقاومة ضدهم وأخضعوا المنظومة السياسية لإرادتهم، وسيطروا على عناصرها يتلاعبون بها، وأحدثوا تغييراً اجتماعياً نشأ عنه ارتباط شريحة من المثقفين والرموز السياسية ورجال الأعمال وأصحاب الأراضي بهم وبأفكارهم، وارتبطت مصالحهم بمصالحها.

لكن رغم كل هذا استمرت الروح الوطنية ترفض هذا الاحتلال،وتسعى للاستقلال،وواجه الإنجليز ذلك بدهاء، حيث طرحوا أشكالاً مزيفة للاستقلال المنقوص، وأداروا بمهارة الصراع بين القوى أسياسية المختلفة وقد أمسكوا بخيوطها، وبالتالي تدهورت الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وانتشر الفساد بأشكال مختلفة في كل  هذه المجالات.

كانت محاولات الوطنيين والمصلحين مستمرة تجاهد ما استطاعت، لكنهم لم تكن تحمل مشروعاً متكاملاً للنهوض بالأمة في كل المجالات، ولم تؤسس واقعاً عملياً يغير المجتمع ويفرض نفسه على أرض الواقع.

فكيف واجه الإمام الشهيد حسن البنا ذلك، وما هي المساحة التي حددها لهذا الأمر في مشروعه الإسلامي للنهضة، بل وكيف استطاع تأسيس دعوته وعين الإنجليز متربصة بكل دعوة وحركة للمقاومة ؟.

  • السمات والخصائص الأساسية :

وبنظرة سريعة على خطوات ومنهجية الإمام الشهيد في هذا الميدان،نرى أن هناك خمس سمات أساسية بهذا الشأن:

  1. جعل الإمام الشهيد تحرير الوطن من هذا الاحتلال هدفاً رئيسياً من أهداف المشروع الإسلامي وجعله المرتبة الرابعة في مراتب العمل “وهى تحرير الوطن من كل سلطان أجنبي” وان هذا لابد أن يسبق إقامة الحكم الإسلامي المنشود.
  2. أنه ينطلق في رؤيته تلك من الجانب العقائدي الإيماني، فأعاد للإسلام دوره الفعال في النفوس وفى واقع المجتمع، حيث قرر الإسلام أن الحرية فريضة من فرائضه لا يجوز التنازل عنها أو التفريط فيها، وان الجهاد لتحرير الوطن فرض عين وواجب حتمي تسعى الأمة كلها إليه.
  3. كان الإمام الشهيد يستهدف نزع جذور الاستعمار الأجنبي من العقول والأفكار ومن النفوس والقلوب، ومن تبعية السلوك والتقليد وادعاءات المصالح والارتباطات، كان يريد تحريراً واستقلالاً كاملاً شاملاً لا يقتصر فقط على مجرد رحيل القوات الأجنبية، ولهذا كان يؤسس مشروعه وخطته لمواجهة الاحتلال وفق هذه الرؤية الشاملة والبعيدة المدى.
  4. أن يسير في خطته الشاملة في محاور متوازية، تنمو وتتسع مع نمو واتساع الجماعة، فتكون خطواتها متناسبة مع الإمكانيات، وتسير في اتجاه تحقيق الأهداف وكانت هذه المحاور تشمل:
    • أ‌- محور تأمين نمو الجماعة وتثبيت جذورها وزيادة تأثيرها وانتشارها مع البعد عن أي صراعات جانبية.
    • محور إعداد أفراد الجماعة وتكوينهم للدور المطلوب منهم.
    • محور توعية الشعب وإعداده وحشده في الاتجاه المطلوب.
    • محور الضغط السياسي والحراك المجتمعي .
    • ج‌- محور التدريب العسكري والإعداد لمعارك التحرير.
  5. كما كانت رؤية الإمام أنه لتحقيق ذلك الواجب، لابد أن تنهض وتتعاون قوى الأمة جميعاً لتحقيقه .

وضوح الرؤية منذ البداية :

– كانت هذه الرؤية واضحة والأهداف محددة منذ اليوم الأول الذي بايع فيه الستة المجاهدون الأوائل الإمام الشهيد لتأسيس الجماعة ومشروعها الإسلامي عام 1928م .

ومن كلمات الإمام الشهيد نذكر هذه المقتطفات:” ومن هنا يعتقد الإخوان المسلمون أن كل دولة اعتدت وتعتدي على أوطان الإسلام دولة ظالمة لابد أن تكف عدوانها ولابد أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملوا متساندين على التخلص من نيرها”([1]).

ولقد تصدى الإمام الشهيد لجرائم الإنجليز ليس في مصر وحدها وإنما في كل أنحاء العالم الإسلامي، وكذلك لغيره من قوى الاستعمار:”ولنا حساب بعد ذلك مع انجلترا في الأقاليم الإسلامية التي تحتلها بغير حق، والتي يفرض الإسلام على أهلها وعلينا معهم : أن نعمل لإنقاذها وخلاصها” ([2]).

” أريد أن أستخلص من هذا أن الوطن الإسلامي واحد لا يتجزأ، وأن العدوان على جزء من أجزائه عدوان عليه كله، هذه واحدة، والثانية أن الإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أئمة في ديارهم، سادة في أوطانهم”

” وإن قال البعض بأن علاقة مصر بالإنجليز كانت علاقة تحالف بناء على معاهدة 1936، فقد رفض الإخوان هذه المعاهدة الظالمة التي لم تعط مصر استقلالها الحقيقي، كما أن الإنجليز لا يزالون يحتلون معظم العالم الإسلامي دون معاهدات أو تحالفات ويديرون المؤامرات لتمكين اليهود من أرض فلسطين .. “([3]) .

مرحلة التأسيس وبداية المواجهة مع الإنجليز :

كان الإمام الشهيد حريصاً أن تكون بداية تأسيس مشروعه من القاعدة الشعبية وليس من الشريحة العليا في المجتمع، وأن يبعد بها عن إحداث أي ضجيج حول هذا التأسيس حتى لا يلفت الانتباه لذلك.

والذي يقارن بين تأسيس جمعية الشبان المسلمين من العلماء، والمفكرين، وبين تأسيس جماعة الإخوان، ليلمح هذا الأمر بوضوح فكان هذا الرعيل الأول من أصحاب الحرف البسيطة، ومن حملة الشهادات المتوسطة، لكن من ذوى الهمة العالية، والاستعداد الكامل للتضحية والفهم الصحيح، ولم يحدث مع التأسيس احتفالات ومهرجانات وإعلانات، بل كانت كالنبتة الوليدة، بعيداً عن القاهرة وبعيداً عن الأضواء.

واستطاع الإمام ببراعة استيعاب بعض الأحداث التي حاول بعض الأفراد في الإسماعيلية إثارة الأمن ضدها والإبلاغ عن أهدافها.

ومع انتقال الدعوة للقاهرة، كانت مرحلة التعريف بها وإيجاد المنافذ والركائز لها،تمضى بهدوء حثيث،واكتسبت منفذاً لها من طلبة الجامعة، سرعان ما انتشر وتحرك بالدعوة.

كانت المقرات التي اتخذتها الجماعة (المركز العام) في الأحياء الشعبية ومظهرها بسيط.

وابتعدت في هذه السنوات القليلة عن طبقة الأعيان، وعن الصدام مع أي جهة.

كان الإمام الشهيد كأنه يسابق الزمن في مرحلة التأسيس تلك في حركته، وسفرياته لنشر الدعوة وفتح الشعب والفروع وإيجاد الركائز لها.

وعندما أحسّ الإنجليز بأن الساحة بها متغير ( حوالي عام 1938) كانت الدعوة قد انتشرت وامتدت جذورها بالمجتمع.

كان الإمام حريصاً أن يكون مظهر الجماعة أقل من حقيقة قوتها وانتشارها وكان يسبق الرصد من العيون المتربصة، والتقارير المرفوعة، فلا يعرفون مدى النمو الحقيقي.

ظن الإنجليز في البداية أنها جمعية مثل باقي الجمعيات وحركة مثل الباقين وتعاملوا معها مثل ما تعاملوا مع الآخرين من حركات وجمعيات تموج بها الساحة.

حاولوا أولاً أسلوب الاستيعاب، وذلك عن طريق المال، فأرسلوا من طرفهم من يعرض المال على الإمام الشهيد كدعم للنشاط الاجتماعي الجيد الذي تقوم به، ووصل الأمر في العرض إلى أرقام كبيرة في هذا الوقت، بل قالوا له الشيك أمامك على بياض اكتب فيه الرقم الذي تريد، ورفض الإمام الشهيد ذلك بحسم وهدوء. وعندما علق أحد الإخوان على ذلك للإمام بأنه لماذا لم يأخذ هذا المال ويحاربهم به ذكرّهم بالمبدأ الرئيسي بأن الجماعة لا تأخذ مالاً من أحد وستعتمد على جيوب أفرادها ومحبيها، وأوضح لهم أسلوب الإنجليز في الاستيعاب والاحتواء وأن اليد التي تمتد للأخذ ستبقى هي اليد السفلى “([4]) .

ويشير الإمام إلى هذه الناحية([5]) فيقول : ” ودأب المكتب ( أي يقصد مكتب الإرشاد ) على ذلك يقتطع أعضاؤه من قوتهم وجهودهم ما يستعينون به على خدمة عقيدتهم في عفة الأسد، وفى طهارة ماء الغمام، لا يمدون لأحد يداً ولا يسألون كبيرًا ولا هيئة شيئاً ولا يأخذون من مال حكومة ولا يطلبون معونة أحد إلا الله” إ. هـ.

وعندما فشل الإنجليز في محاولة الاستيعاب، حاولوا المزايدة والمنافسة على حركة الجماعة، لقطع الطريق على انتشارها، فأوعزوا لأعوان لهم بتشكيل جمعية ” إخوان الحرية 1942″ تتحرك بدعم مالي وضجيج إعلامي وتنشط عند كل مناشط وفعاليات واحتفالات الإخوان، في نفس التوقيت وبنفس العنوان، وذلك لعرقلة حركة الإخوان والتشويش عليها وسحب البساط من تحت أقدامها، ولم ينزلق الإمام في هذه المكيدة الجديدة، بل ومنع الإخوان أن يلتفتوا إلى ذلك أو يشتبكون معهم، وأن يركزوا على عملهم والاستمرار فيه، وأن النفس الطويل سيحسم الأمر، وعندما كانت جمعية إخوان الحرية توزع إعلاناً بأحد الاحتفالات في نفس موعد احتفال الإخوان بأحد المناسبات الدينية، أمرهم الإمام الشهيد أن يرفقوا ورقة إعلان هذه الجمعية بإعلان الإخوان عن احتفالهم ويوزعونهما معاً، وبالتالي أدرك  الشعب أن هذه الجمعية تسعى للمنافسة والمضايقة وأن الإخوان لا يهمهم ذلك ولا يلتفتون إليه، وانتهى موضوع إخوان الحرية إلى فشل ذريع.

كان الإمام الشهيد حريصاً منذ البداية على البعد عن كل مظاهر استعراض القوة، ففي الوقت الذي أسست فيه الأحزاب والتيارات ما يشبه المليشيات المسلحة وكانت تسمى القمصان الخضر والحمر .. الخ، رفض الإمام هذا الأسلوب واهتم بتشكيل الكشافة، والجوالة، والاستفادة من مجال العمل والنشاط في هذا الميدان.

تصاعد المواجهة مع الإنجليز :

ومع استمرار الجماعة، أخذ الإنجليز الخطوة التالية وهو إبعاد هذا القائد العنيد الذي استعصى على الاحتواء وأفلت من المكائد المختلفة إلى الصعيد، وطالبوا ذلك من حسين سرى باشا رئيس الوزراء ( وكان الإمام يعمل مدرساً ابتدائياً) .

ودهش رئيس الوزراء أن يهتم الإنجليز بجمعية دينية صغيرة وبمدرس ابتدائي ويعتبرونه خطراً عليهم وكان هذا في عام 40 – 1941،ونفذ الإمام الشهيد النقل، وإذا بالدعوة تنتشر بقوة في الصعيد بحركته الدءوبة وأسلوبه المؤثر، مما أزعج بعض التيارات هناك فأرسلوا منزعجين يطلبون إعادته وإبعاده عن الصعيد وهكذا عاد الإمام للقاهرة ثم قدم استقالته من الوظيفة ليتفرغ لقيادة الدعوة، فقامت الحكومة تحت ضغط الإنجليز فاعتقلت الإمام ونائبه وسكرتير الجماعة في معتقل الزيتون ثم أفرج عنهم أواخر1941 (نوفمبر) تحت ضغط أفراد في البرلمان والسخط الشعبي العام .

ومنذ بداية الأربعينات أخذ اهتمام الإنجليز ورصدهم لحركة الجماعة يزداد، وتحريض كثير من الصحف على الهجوم عليها، وقد أحسوا بالخطورة منها، وصدر قرار وزارة الوفد بإغلاق جميع الشعب ما عددًا المركز العام عام 1942،وفرضوا حالة الطوارئ على البلد، وشجعوا عدداً من محاولات اغتيال الإمام كمحاولة للتخلص منه على يد بعض التيارات والقوى المنافسة وفكروا عام 1943 بنفي الإمام خارج مصر وأشاعوا ذلك حتى إن الإمام كتب رسالة بين الأمس واليوم يودع فيها الإخوان ثم عدلوا عن ذلك خوفاً من رد الفعل الشعبي في ظروف الحرب العالمية .

الانطلاقة القوية بعد مرحلة التأسيس :

كان انشغال الإنجليز بالحرب العالمية الثانية بدءاً من عام 1939، وتطوراتها فرصة قوية للإمام الشهيد الذي انطلق بالدعوة والتركيز على التكوين واكتساب الأنصار والركائز وتطوير أجهزة الجماعة ومن ضمنها النظام الخاص عام 1940 في نقل الجماعة من مستوى إلى مستوى قوى لم يتصوره الإنجليز وغيرهم أو يتوقعونه، وانتهت الحرب العالمية وقد أصبح الإخوان أحد أهم القوى الشعبية والسياسية بالمجتمع إن لم يكن أقواها وأن الخريطة السياسية في مصر قد تغيرت وأن الجماعة تتحرك بفاعليات جماهيرية مؤثرة وتحشد الأمة وراءها وتضغط بالمطالب الوطنية.

حاول الإمام الشهيد دخول البرلمان فقام بالترشيح مرتين في دائرة الإسماعيلية عام 42، وأواخر عام 1944، ففي المرة الأولى ضغط الإنجليز على رئيس الحكومة النحاس باشا ليضغط على الإمام الشهيد للتنازل عن الترشيح ، وتنازل الإمام لتقديم مصلحة الدعوة على موقفه الشخصي، ثم في عام 1944 قام الإنجليز بتزوير الانتخابات بصورة فجة مباشرة، ومما قاله الإمام ليهدئ الجماهير المحتشدة” إن عجز أمة عن أن تدفع أحد أبنائها إلى البرلمان ليقول كلمة الحق والإسلام لدليل على أن الحرية رياء وهباء، وأن الاستعمار هو سر البلاء، إنني أحسب أن مراجلكم تغلي بالثورة وعلى شفا الانفجار ولكن في هذا الموقف لابد من صمام الأمان، فاكظموا غيظكم وادخروا دماءكم ليوم الفصل وهو آت لا ريب فيه ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله”([6]) أ. هـ .

وكان الإمام الشهيد يرفض العنف والتخريب وإسالة الدماء في أي مظاهرات صاخبة حتى ولو كانت لمطالب مشروعة، وكان ينادى بأن تحافظ الأمة على كل قطرة دم استعداداً للمواجهة الفاصلة مع الإنجليز وسماه يوم “الدم” . وكانت الدعوة حاضرة بقوة في أغلب الفعاليات والأحداث والمناسبات الوطنية، مع البعد عن الاشتباك الجانبي أو الرد على المهاترات والشتائم التي توجه لها وسمي الانشغال بذلك “كفاحاً سلبياً”، وواصل الإمام تركيزه وإعداده وتهيئة صف الإخوان وجموع المجتمع نفسياً وفكرياً وحركياً لتحقيق إجلاء المحتل عن أرض الوطن.

كانت المساجد تشكل منطلقاً عميقاً يخاطب فيه الأمة ويوقظ فيها الإيمان والروح ووضع الإمام دعاء يقنط به الإخوان في صلاتهم وكذلك يعلمونه للناس في المساجد:”اللهم رب العالمين وأمان الخائفين ومذل المتكبرين وقاصم الجبارين، تقبل دعاءنا وأجب نداءنا وأنلنا حقنا وردّ علينا حريتنا واستقلالنا اللهم إن هؤلاء الغاصبين البريطانيين قد احتلوا أرضنا وجحدوا حقنا وطغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، اللهم فردّ عنا كيدهم، وفرق جمعهم وخذهم ومن ناصرهم وأعانهم أو هادنهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم واجعل الدائرة عليهم وسق الوبال إليهم وأذل دولتهم وأذهب عن أرضك سلطانهم ولا تدع لهم سبيلاً على أحد من المؤمنين”([7]).

محاولات اغتيال الإمام البنا :

وتعددت محاولات اغتيال الإمام الشهيد، باءت كلها بالفشل في تلك المرحلة، وكلها كانت منذ بداية الأربعينات، فكانت هناك محاولة اغتيال في بورسعيد،وفى الجمالية دقهلية من أنصار لحزب الوفد، وكذلك عدة محاولات للشيوعيين بالقاهرة، وبالمحلة الكبرى حيث رتبوا نسف المنصة التي سيلقى منها خطابه، وفى القاهرة محاولة لبعض المتعصبين لحزب مصر الفتاة أثناء أحد الاحتفالات، وحاول الإنجليز بترتيب محاولة عام 1942 بأن تدهس عربة لوري سيارة الإمام الشهيد بالقاهرة، كما تم إطلاق الرصاص عليه في مظاهرة الأزهر عام 1946 وأصيب في يده، وفى بعثة الحج عام 1948 رتب حامد جودة محاولة سفر مجموعة لاغتياله هناك وتم إحباطها مبكراً.

هذه نماذج مما كُشف عنه، ولم يكن فشل هذه المحاولات أنها كانت ضعيفة التخطيط، ولكن براعة الإمام في التصرف وكذلك تمكنّه من دسّ بعض عناصره ضمن هذه التنظيمات المناوئة ساعدته بعد فضل الله وعنايته في النجاة منها. ولم يؤثر كل هذا في عزيمة القائد وحركته بدعوته.

عمق التغيير الذى أحدثه الإمام فى الأمة :

إنه ليس أدلّ على هذا الأثر في الأمة وذلك التغيير الذي حدث في روحها وتفاعلها من الواقعة التي نذكرها كمثال، حيث ذهب الإمام ليعزى في وفاة أحد الشهداء على أرض فلسطين في إحدى القرى فإذا بوالد الشهيد يقول له: إذا كنت قد جئت معزياً فارجع وإن جئت مهنئاً فأهلاً بك ومرحباً لقد علمتنا معنى العزة والشهادة فجزاك الله عنا خيراً وهذا أخو الشهيد أقدمه لك لينال هو أيضاً هذا الشرف([8]) .

وفى أواخر الأربعينات دخل الأمريكان الميدان أيضاً، وكانوا يتابعون ويرصدون، وكان ردّ فعلهم عن اغتيال الإمام الشهيد في أوائل عام 1949، أحد أسباب دخول الشهيد سيد قطب دعوة الإخوان عندما عاد من أمريكا.

حاول الأمريكان استخدام أسلوب الاستدراج عن طريق عرض قدموه لمحمود عساف بأن يتعاونوا مع الإخوان في مقاومة الشيوعية،وكان رد الإمام البنا الرفض الواضح وأنهم يتاجرون بذلك وأن موقفهم من القضية الفلسطينية ومما تفعله العصابات الصهيونية يكشف عدم مصداقيتهم ويضع حاجزاً بينهم وبين الشعوب العربية والإسلامية، وكانت هذه الصفعة للأمريكان حافزاً لديهم للإصرار على ضرب الإخوان.

اتخاذ قرار اغتيال الإمام البنا وحل الجماعة :

كانت فعاليات مقاومة الإنجليز على شتى المحاور، تسير مع فعاليات قضية فلسطين ومع تطور الدور القتالي لكتائب الإخوان داخل أرض فلسطين ومواجهتهم للعصابات الصهيونية، مما أزعج اليهود بشدة وجن جنونهم وضغطوا لضرب الإخوان وإبعادهم من ساحة المعركة، وكذلك حنق الإنجليز وإحساسهم بالفشل في مواجهة دعوة الإخوان وخطورة مشروعهم على تواجدهم بالمنطقة كلها، مما حفزهم إلى الإسراع بعقد اجتماع لسفراء دول أمريكا وإنجلترا وفرنسا في قاعدة فايد العسكرية واتخاذ قرار بحل الجماعة وتوجيه ضربة قوية لها واغتيال الإمام الشهيد.

وأن على الحكومة المصرية أن تقوم باتخاذ الإجراءات فوراً فتم حلّ الجماعة في ديسمبر 1948 والقبض على أفرادها وقياداتها ثم اغتيال الإمام الشهيد في12 فبراير 1949 .

لقد تخلى الإنجليز عن أسلوبهم المشهور، فقد كانوا حريصين على استيعاب أو نفى الزعماء وقادة المعارضة بدلاً من تصفيتهم الجسدية، فعلوا هذا مع أحمد عرابي وكذلك مع قادة ثورة1919حيث تمكنوا بعد ذلك من استيعابهم وإلهائهم بالمنظومة السياسية والصراع على السلطة، لكن مع الإمام الشهيد اختلف الأمر فقد عجزوا وفشلت كل محاولات الاستدراج أو الاحتواء أو الإبعاد وكل محاولات التأليب للقوى المحلية، وتمكن الإمام من تخطى كل العراقيل والمعوقات، فجن جنونهم وظنوا أنهم سيوقفون حركة الدعوة وسيقضون عليها بهذا الإجراء. لكن خابت ظنونهم وخططهم وإذا بالركائز التي رباها الإمام الشهيد والكيان الذي أسسه يستوعب الضربة الشديدة وينظم صفوفه ويمضى في خطته التي رسمها الإمام لتحقيق استقلال الوطن، ويذيق القوات الإنجليزية الضربات القوية على ضفاف القناة وبصورة لم تشهد لها مصر مقاومة منظمة بمثل هذا من قبل.

تقييم المنهجية التى اتبعها الإمام البنا :

لقد كانت المنهجية التي وضعها الإمام الشهيد واضحة محددة مكافئة للواقع الموجود فكان عليه تأمين حركة الجماعة ونموها في ظل قوى متربصة ومعادية، وأن يمر بمهارة من المنزلقات والمكائد والفخاخ إلى نصبت في طريق الدعوة، وألا يدخل معركة فاصلة دون تهيئة وإعداد أو قبل الأوان.

كان عليه كل ذلك وفى نفس الوقت أن يتخذ الخطوات العملية الفعالة لإزالة هذا الاحتلال البغيض وتحقيق الاستقلال للأمة وفق منظومة أهداف الجماعة.

عندما تجاوز الإخوان محنة وضربة عام 1948، واغتيال قائدها ومؤسسها، كان المتوقع من كل المراقبين أن ينكفأ الإخوان على أنفسهم وعلى تنظيمهم، وان يتراجعوا ولو إلى حين عن المضي في مشروعهم العام وجهادهم ضد المحتل الأجنبي خاصة وأن ذلك في النهاية سيصب في صالح من يمسكون بمقاليد الحكم وسيوظفونه لتثبيت سلطاتهم، وأن هؤلاء بموقفهم من الجماعة أصبحوا متربصين بها ينتظرون أن تضعف قوة الإخوان عند صدامهم مع الإنجليز، فينقضون عليها ويجهزون على ما بقى منها.

لكن الإخوان كان لهم ميزان آخر لأنهم دعوة ربانية وحملة رسالة إسلامية يستهدفون مصلحة الوطن وما يحتاجه ورفعة أمة الإسلام وتحريرها لا يعملون بمفهوم حزبي ضيق،ويضحون في سبيل الإسلام والوطن ويبذلون جهدهم في التخطيط والأخذ بالأسباب ومراعاة سنن الكون وقواعد التغيير.

 

تفصيل خطة الإمام لإخراج الإنجليز من مصر

 

شملت خطة الإمام الشهيد في مسارها العملي أربعة مراحل متداخلة مترابطة:

المرحلة الأولى:

شملت التركيز على تأصيل الفكرة ووضع الاستراتيجية وقد سماها الإمام مرحلة التعريف، ونشر الوعي الصحيح حول الواجبات والأهداف ودور أفراد الإخوان في مواجهة المحتل الغاصب، وكذلك توعية أفراد الشعب بذلك، مع العمل على اتساع مساحة التأثير والوصول إلى الجماهير في أعماق الريف وأنحاء القطر المصري كله، وقد أخذت هذه المرحلة حوالي عشر سنوات واستمرت بعد ذلك تعمق هذا الجانب بفاعلية متزايدة .

المرحلة الثانية:

وهى قد بدأت من عام 1938 حيث انتقل بها الإمام للخطوة الثانية من الإعداد وسماها الخطوة التكوينية، مع استمرار ما بدأ به من نشر الدعوة ومبادئها، وفى هذه المرحلة من عمق الإعداد والتدريب والتكوين اشتملت على هذه الخطوات الأساسية :

  • أ‌- إنشاء النظام الخاص عام 1940، وإعداده وتدريبه لمواجهة قوات الاحتلال، واستمر هذا حوالي عشر سنوات.. وصاحبه ما يستلزم ذلك من زرع الأفراد والعيون، وتجميع المعلومات الدقيقة وترتيب موارد السلاح والتدريب عليه وكل ما يلزم لمعركة طويلة مع قوات الاحتلال الإنجليزي، ونشير هنا إلى الحكم التاريخي الذي أصدرته محكمة جنايات القاهرة في 17/3/1950 (قضية السيارة الجيب) برئاسة أحمد كامل بك بشأن النظام الخاص، فقد برأته المحكمة من تهمة الإرهاب وأشادت به وبدوره البطولي .

وورد في حيثيات الحكم:”.. إنه جهاز تدريب يتمشى مع الأهداف المقررة لتحرير وادي النيل وجميع البلاد الإسلامية، وإنه لم يتضمن ولم يدع إلى ارتكاب جريمة..وأن المحكمة تدين بالتقدير لروح البذل والفداء الذي قدمه الإخوان المسلمون في فلسطين،الأمر الذي شهد به أمام المحكمة كل من اللواء أحمد بك المواوي القائد الأول لحملة فلسطين، واللواء أحمد فؤاد صادق باشا الذي خلفه ، بما قام به هؤلاء المتطوعون من أعمال دلت على بسالتهم وحسن مرانهم وسمو روحهم المعنوية وإلمامهم بفنون حرب العصابات … ” أ.هـ .

  • ب‌- القيام بعمليات صغيرة منذ عام 1940 وما بعدها، وذلك ضد قوات الاحتلال ولكن مع صغر حجمها إلا أنها كانت مستمرة ومتعددة ويقوم بها أفراد النظام الخاص وقد تصاعدت وتيرتها بعد عام 42، وكان ذلك لتحقيق معنى الجهاد وتركيزه عملياً في النفوس – والتدريب والتهيئة للمواجهة الأكبر، ولتحقيق بعض الإزعاج للمحتل وحرص الإخوان ألا يعلنوا عن نسبة هذه العمليات الفردية إليهم حرصاً على استمرار التكوين والإعداد،وعدم لفت الأنظار إليه.
  • ت‌- الفعاليات الشعبية وتفعيل المساجد، وبروز فعاليات الضغط السياسي وقد حاول الإمام الترشح للبرلمان عام 1942، وأواخر عام 1944 لكن حال الإنجليز دون ذلك.

المرحلة الثالثة:

وهى تبدأ من سنة 1946، حيث تزايدت فيها وتيرة العمليات الفدائية من الإخوان ضد قوات الاحتلال، وتزايدت فعاليات الضغط الشعبي والسياسي التي يتحرك بها الإخوان، والتحرك بآليات جديدة لتفعيل المقاومة الشعبية السلمية، ودعم الزخم الطلابي في حركته وكانت مظاهرة كوبري عباس الثانية عام 1946 والتي رتبها وقادها الإخوان نموذج من عشرات المظاهرات التي تمت وقد قُتل وجُرح فيها عدد من الإخوان واعتقل البعض الآخر.

كما استخدم الإمام البنا، وسائل التحرك الإعلامي على المستوى العالمي، وخاصة داخل الأمم المتحدة وقد أرسل أحد قادة الإخوان الطلاب إلى هناك للقيام بذلك.

المرحلة الرابعة :

وهى تشمل الانتقال للمرحلة التنفيذية في المواجهة والدخول في العمليات العسكرية بدءاً من عام 1950 إلى أن تم جلاء هذه القوات عن أرض مصر (بعد قيام ثورة 52) وكذلك الضغط حتى تم إلغاء معاهدة 1936 وإجماع الأمة على شرعية القتال ضد القوات الإنجليزية.

– جاءت تطورات قضية فلسطين في أواخر عام 47، وعام 1948، لتؤجل خطة الإمام مؤقتاً في عملية قتال الإنجليز التي كان يُعد لها على نطاق واسع، حيث كان التركيز في العمليات الجهادية كلها موجه لفلسطين وعلى أرضها لخطورة التهديد الصهيوني هناك.

مواصلة الجهاد بعد اغتيال الإمام :

تم اغتيال الإمام الشهيد في فبراير49،وزجوا بالآلاف في السجون،وتمكنت الجماعة من امتصاص الضربة، وإعادة تنظيم صفوفها واختيار قائدها عام 1950، وواصلت العمل بالخطة والاستراتيجية التي وضعها الإمام الشهيد.

وقد تم الضغط حتى تمكن الإخوان من فتح شعبهم ومقارهم بعد حكم القضاء في 15/8/1951.

تواصل التدريب والإعداد والتكوين وسار ذلك مع المحورين الآخرين: محور تهيئة الأمة وحشدها في هذا الميدان ومحور الضغط السياسي على الحكومة حتى تلغى الاتفاقية الظالمة معاهدة (1936) وتقف حتى ولو مكرهة مع الأمة في خندق واحد، ونجح الإخوان ومن معهم من قوى وطنية في ذلك عام 1951، وبالتالي نجح الإخوان في تأمين ظهر المجاهدين وأن يصل التأييد الشعبي أن يحقق الحماية لهم من أي انقلاب حكومي ضدهم أثناء الجهاد .. وأقاموا بذلك المعسكرات للتدريب ودعوا الجماهير للمشاركة.

قيام ثورة 1952 ، والموقف من اتفاقية الجلاء :

وكان المفروض أن قيام ثورة الجيش عام 1952 يعني دفعة قوية لعملية التحرير ويستثمر المقاومة في سبيل الحصول على الجلاء بلا قيد أو شرط ويحقق كل المطالب الوطنية لقد رفض الإخوان بوضوح أي تنازل عن المطالب الأساسية الوطنية، أو ما يمس وحدة وادي النيل واستقلاله الكامل، فإذا بحكومة الثورة، تفاوض الإنجليز وتتنازل عن ديون مصر لديها، وعن وحدة وادي النيل والتفريط في استقلال السودان وهو جزء أصيل من الدولة المصرية، والموافقة على اتفاقية تسمح للإنجليز بالعودة لقواعدهم بقناة السويس بحجج واهية.

رفض الإخوان ذلك بوضوح رغم رسائل التهديد والوعيد ثم الاعتقالات والتعذيب ثم سلم هذا النظام رؤوس قادة الجهاد ضد اليهود والإنجليز هدية لهم.

 مقومات رؤية الإمام البنا

 

رؤية الإمام البنا في مشروع التحرير كانت تقوم على:

  1. أن متانة الإعداد العسكري لا تقوم على مجرد التدريب، وإنما لابد لها من تربية وتكوين صحيح للشخصية المجاهدة، لكي تكون قادرة على الاستمرار وعلى تحمل التضحيات والتجرد والإخلاص، وهذا على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الجماعة لابد أن تراعى التدرج في الخطوات والعمليات، وعدم كشف كل الأوراق، واختيار التوقيت المناسب، وتجنب التصفية.
  2. أهمية بناء الوعي الشعبي الحقيقي الذي لا يقوم على مجرد شعارات أو فورات حماسية ولكن أن تتحول العاطفة إلى إجراء عملي واقعي يقاوم المحتل ويحقق الاستقلال معنوياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً، لقد حرص الإمام في خطته ووسائله أن يقاوم الاحتلال في مظاهره داخل النفوس والأفكار والعادات وكان من مظاهر ذلك تحفيز الأمة لمقاطعة المنتجات الإنجليزية وصور الثقافة الغربية.
  3. كما كان له رؤية عميقة بشأن تحقيق الاستقلال الاقتصادي ليسير هذا الهدف مع تحقيق الاستقلال من الاحتلال العسكري، ولهذا كان جهاده لتمصير الشركات وتشجيع المنتج الوطني، وإنشاء الصناعات الوطنية.
  4. دعوته لتوحيد القوى الوطنية حول مشروع قومي واحد هو طرد المحتل وتحقيق الاستقلال الحقيقي، والنهوض بالأمة، وترك هذا التنازع الحزبي واعتبر أن هذه الأحزاب قد حل بها الفساد وأصبحت ألعوبة في يد الإنجليز.
  5. الاهتمام بالضغط الإعلامي والسياسي داخلياً وخارجياً واستيعاب المتغيرات العالمية وموازين القوى الجديدة والاستفادة من ذلك.

لقد كان أسلوب الإمام الشهيد يقوم على العمل المتكامل وفق استراتيجية عميقة بعيدة المدى، احتاجت منه عشرون عاماً ليصل إلى النتيجة التي استهدفها، وبهذه الرؤية وذلك الإعداد كانت مسألة طرد المحتل قد حسمت وأصبحت المواجهة العسكرية ضد قواعده في القناة هي المرحلة الأخيرة والمسمار الأخير في نعشه، وقد أدرك الإنجليز ذلك وعرفوا أنهم سيرحلون قطعاً، ولكنهم كانوا يريدون أن يتفقوا مع من يعطيهم أكبر قدر من التنازلات.. وكان لكل هذه القوى الأجنبية هدف واحد وطلب واحد هو ضرب هذه الجماعة ومحاولة القضاء عليها.

ومن المهم الإشارة أن الإخوان قد رفضوا بحسم ووضوح الفكرة التي تحرك بها بعض الوطنيين بالترحيب بالألمان، وتقدمهم لاحتلال مصر نكاية في الاحتلال الإنجليزي وكان منطلق رأى الإخوان نابع من عقيدتهم، وكيف نستبدل مستعمراً بمستعمر آخر؟ وإن معنى الكفاح عندهم ينبع من تفجير طاقات الأمة لدفع غوائل الاستعمار أياً كان لونه إنجليزيا أو ألمانياً أو غير ذلك، ولهذا لم يشاركوا في تظاهرات بعض القوى السياسية التي كانت تهتف إلى الأمام يا روميل في 1942.

موجز للفعاليات والعمليات التي شملتها خطة الإخوان:

  1. حملات التوعية : من صحف ومجلات ونشرات وبيانات صادرة من الإخوان مع حرص الإخوان على ربط قضية الجلاء بالعقيدة،وأن تشمل الدعوة إلى فعاليات بكراهية الإنجليز ومقاطعتهم وعدم التعاون معهم، والضغط على المتعاونين معهم.
  2. عقد المؤتمرات الشعبية والندوات الجماهيرية:حول هذا الأمر، وكذلك مشاركة مؤسسات الجماعة كلها في ذلك :
  • أ‌- فكان المؤتمر العام السادس في 9/1/1941 للهيئة التأسيسية، ومسئولي شعب الإخوان وتناول فيه الإمام برؤية واضحة شئون مصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومشكلة احتكار الشركات الأجنبية .
  • ب‌- المؤتمر الذي دعا إليه المركز العام ثاني أيام عيد الفطر (8 سبتمبر 1945) كل رؤساء المناطق والشعب وأعلنوا فيه بأنه على بريطانيا الاعتراف بحق مصر في الاستقلال التام وضرورة نيلها الاستقلال ورفع القيود الاقتصادية والتجارية عنها وأن لا تتدخل الحكومة البريطانية في شئون السودان، وأن تعترف الأمم المتحدة بحق مصر في ذلك([9]).
  • ت‌- المؤتمر الشعبي في 28/8/1946م بالقاهرة وحضره نصف مليون فرد وطالب ببطلان معاهدة 1936م ورفض أي معاهدة قبل الجلاء التام عن وادي النيل .
  • ث‌- كانت كل احتفالات الإخوان في المناسبات الوطنية أو الدينية ، يعتبر هذا الموضوع من الموضوعات الأساسية.
  • ج‌- الندوات والدروس المسجدية وخطب الجمعة ، وكذلك جولات على المقاهي وأماكن التجمعات لشرح أبعاد القضية وواجب كل مصري تجاهها .
  1. الحملات الشعبية الميدانية : ومن أمثلة ذلك :
  • أ‌- حملة تحريق مصادر الثقافة الإنجليزية (المجلات والمنشورات)
  • ب‌- حملة مقاطعة كل ما هو مكتوب باللغة الإنجليزية .
  • ت‌- حملة تحطيم اللافتات المكتوبة باللغة الإنجليزية في المؤسسات والمحلات (وذلك بأسلوب الإقناع وإثارة الروح الوطنية وليس بأسلوب التخريب أو الفوضى) وذلك ضمن المقاومة الفكرية والثقافية لمظاهر الاحتلال .
  • ث‌- حملة توزيع شارة الجلاء وهى على شكل قلب ذات لون أحمر وفى وسطها كلمة الجلاء، وقد تم توزيعها في جميع أنحاء البلاد فخرجت الأمة في يوم واحد تعلق هذه الشارة على صدرها .
  1. حملات المقاطعة الاقتصادية : لكل المنتجات الإنجليزية ، وكانت توجيهات الإمام الشهيد لأفراد الإخوان ولجموع الأمة:”لا تأكل ولا تلبس إلا من صنع وطنك” وقامت بطبع قائمة بالمنتجات الإنجليزية ، وكذلك مقاطعة المتعاونين مع الاحتلال .
  2. الإضرابات المدنية: حيث قادها الإخوان ودعوا إليها جميع أفراد الشعب وكان تفاعل الشعب معها واستجابته لها أقوى من أي استجابة للقوى الأخرى، ومن هذه الإضرابات:
  • أ‌- إضراب يوم الجلاء 21/2/1946.
  • الإضراب العام 10/5/1946.
  • الإضراب العام 8/6/1946.
  • الإضراب العام21/2/1947(وذلك كيوم وطني للجلاء)
  • ج‌- الإضراب العام26/8/1947(استنكاراً لمعاهدة 1936)
  1. المظاهرات الحاشدة: للمطالبة بالجلاء التام: حيث نظم الإخوان وقادوا عدة مظاهرات كبيرة منها:
  • أ‌- مظاهرة 9/2/1946 تحت قيادة طلبة الإخوان وعلى رأسهم مصطفى مؤمن وتوجهت إلى قصر عابدين.
  • ب‌- سلسلة مظاهرات متتالية، من ضمنها مظاهرة كوبري عباس 1946 حيث فتح البوليس الكوبري على الطلاب، وأطلق عليهم الرصاص .
  • ت‌- مظاهرات أكتوبر 1946 بالقاهرة والأقاليم.
  • ث‌- مظاهرات أغسطس 1947 من الجامع الأزهر بقيادة الإمام البنا، وكان هذا متزامناً مع عرض قضية مصر على مجلس الأمن في 5/8/1947.

وقد طلب الإمام يومها من جميع فئات الشعب أن يتوجهوا إلى المساجد في صلاة الظهر في ذلك اليوم للدعاء والمناصرة، وقد سبق هذا عشرات الفعاليات الجماهيرية الصغيرة والمتوسطة الحجم قبل هذا بسنوات .

  1. الضغط على الحكومة : ومطالبتها بإعلان بطلان معاهدة 36: وكانت الإضرابات والمظاهرات الحاشدة والبيانات وتعاون كل القوى السياسية في ذلك من الوسائل الأساسية للضغط على الحكومة،وكانت المطالب التي احتشدت الأمة وراءها هي قطع المفاوضات – بطلان معاهدة 36 – سحب القوات البريطانية من مصر ووادي النيل بلا قيد ولا شرط – وحدة وادي النيل… واستمر الإخوان يقودون فعاليات ضاغطة في ذلك الأمر حتى تم إلغاء المعاهدة في حكومة الوفد في 10/10/1951.
  2. الضغط الإعلامي الخارجي: ومن أمثلة ذلك:
  • أ‌- إرسال أحد زعماء الإخوان ( مصطفى مؤمن) إلى أمريكا أثناء عرض قضية مصر على مجلس الأمن في 5/8/ 1947، ليرد على افتراءات الإنجليز ويطالب بالجلاء التام عن مصر،ويعقد المؤتمرات الصحفية من أجل ذلك ويسد الضعف والتراجع الذي كان عليه الوفد المصري هناك.
  • ب‌- مخاطبة الشعب الإنجليزي بنداء وجهه الإمام بعد الحرب العالمية لشعب انجلترا، يطلب منهم الجلاء عن مصر طواعية، وإن إخلاف وعدها بالجلاء سيكلفها الكثير.
  • ت‌- استخدام الإمام الشهيد الضغط النفسي على الإنجليز، بتوجيه رسائل مفتوحة للشعب الإنجليزي وبرلمانه، كما أشار إلى أن سلطانهم سيزول على يد القوة الأمريكية الصاعدة بعد الحرب العالمية، وأن الأفضل لها أن تنسحب([10]).

وأعلن أكثر من مرة أن جرائمها لن ننساها وسيأتي اليوم الذي نحاسبها عليها، وأن ما نهبته من اقتصاد مصر ومن أموالها دين عليها يجب أن توفيه.

  1. زرع عناصر لهم داخل القواعد الإنجليزية : والرصد وتجميع المعلومات عن قوات الاحتلال والشريحة المتعاونة معهم… وقد بلغ الإخوان شوطاً كبيراً في ذلك رغم الإمكانيات القليلة وظهرت كفاءة ذلك في عمليات المقاومة.
  2. إنشاء الجهاز الخاص 1940، الذي يُعد كنواة للمقاومة الفعلية وكان برنامج التربية والتكوين الشديد لأعضاء هذا الجهاز يؤهلهم لمستوى عالي من العقيدة ومن الانضباط والاستعداد للتضحية، وكان لبطولاته على أرض فلسطين ثم على ضفاف القناة ما أذهل الأعداء وأثار رعبهم.
  3. تأمين منظومة السلاح وإعداد المجاهدين بها، عند مرحلة العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال … وقد استفاد الإخوان من مخلفات معارك الحرب العالمية الثانية، واعتمد الإخوان على جيوبهم ومواردهم في شراء المناسب من الأسلحة، وكذلك في ترتيب عمليات جريئة للحصول عليه من داخل المعسكرات الإنجليزية ومخازنها.
  4. ترتيب آليات التدريب وتوظيف عناصر الجيش والشرطة التي انضمت للإخوان.
  5. القيام بعمليات نوعية صغيرة بدءاً من عام 1940، وذلك لعمل إزعاج للمحتلين، وتدريب المجاهدين، ولكن لم يعلن الإخوان عن نسبة هذه العمليات لهم تأميناً للإعداد، ومن أمثلة هذه العمليات:
    • أ‌- إلقاء قنابل على النادي البريطاني في أيام عيد الميلاد سنة 1942، وسنة 1947، واتهم فيها الطالب نفيس حمدي، حسين عبد السميع، وهما من شباب الإخوان ومن أعضاء النظام الخاص.
    • ب‌- الجناية العسكرية رقم 88 لسنة 42 قسم الجمرك التي اتهم فيها جمال فكيه ومحمد عبد السلام فهمي بأنهما يعدان جيشاً لمحاربة الإنجليز .
    • ت‌- حادث القطار الذي كان يحمل جنوداً إنجليز في الشرابية، فألقيت عليه القنابل من الرصيف إلى داخل القطار أثناء تهدئته ورصدت الحكومة خمسة آلاف جنيهاً لمن يتقدم لها بدليل لضبط الفاعل.

لا ندعى أن كل الحوادث والعمليات كانت من عمل الإخوان، فقد كان هناك أيضاً بعض الأفراد والمجموعات الصغيرة المتحمسة من أفراد الشعب، ولكن الفرق كان جوهرياً،فكان هناك حرص من الإخوان على ألا يصاب أحد من المصريين وأنها كانت ضمن استراتيجية مستمرة ومتصاعدة.

  1. مقاومة الجانب الاقتصادي للاحتلال الأجنبي: كان من وسائل المقاومة التي دعا إليها الإمام الشهيد، وانتهج بشأنها نهجاً عملياً، مقاومة التبعية والارتباط الاقتصادي بالاحتلال الإنجليزي واتخذ ذلك مسارات مختلفة بجانب المقاطعة لمنتجاته:
  • أ‌- نادى الإمام باستقلال نقد الوطن وألا يرتبط بأي عملة أخرى “إن الإسلام يوجب استقلال نقدنا واعتماده على رصيد ثابت من مواردنا ومن ذهبنا لا على أذونات الخزانة البريطانية، ودار الضرب البريطانية، والبنك البريطاني، ومن أفظع التغرير بهذا الشعب أن يسلم جهوده ومنتجاته نظير أوراق لا قيمة لها إلا بالضمان الإنجليزي”.
  • ب‌- واهتم كثيراً بقضية تمصير الشركات وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية كلما أمكن ذلك وتخليص المرافق العامة – وهى أهم شيء للأمة – من يد غير أبنائها، فلا يصلح بحال أن تكون : الأرض والبناء، والنقل، والماء، والنور، والمواصلات الداخلية، والنقل الخارجي حتى الملح والصودا في يد شركات أجنبية تبلغ رؤوس أموالها وأرباحها الملايين من الجنيهات لا يصيب الجمهور الوطني ولا العامل الوطني إلا البؤس والشقاء والحرمان”([11]).
  • ت‌- وكذلك التصدي لاستغلال الشركات الأجنبية لثروات البلاد، واستغلالها للعامل المصري، والضغط لإحلال العمالة المصرية محل الأجنبية([12]).
  • ث‌- كما حذر الإمام من السيطرة الإنجليزية على الاقتصاد المصري، وكذلك من الشركات اليهودية، وكيف أن 320 شركة أجنبية تسيطر سيطرة كاملة على اقتصاد الوطن([13]).
  • ج‌- تقديم حلول عملية في هذا الميدان بتكوين الشركات الوطنية وتشجيع الملكيات الصغيرة وقام بتأسيس عدد من الشركات الوطنية… مثل شركة التعدين، شركة لصناعة الزجاج – شركة الصحافة – شركة الطباعة – شركة المعاملات الإسلامية .. الخ.

كما طالب بسرعة استغلال منابع الثروة الطبيعية والعناية بالمشروعات الوطنية وتشجيع الصناعات المنزلية..الخ([14]) .

  1. معارك القناة وتنظيمها: مع استمرار تصاعد وتيرة العمليات الفردية والصغيرة ضد قوات الاحتلال، ومع التحرك السياسي والزخم الجماهيري وتعبئة الأمة، انتقل الإخوان إلى المرحلة الأخيرة في المواجهة العسكرية مع قوات الاحتلال، ونشير باختصار إلى ملامح هذه المواجهة وبعض الأحداث الهامة فيها:
  • لقد دخل الإخوان معارك القناة بكتائب النظام الخاص، ومن جميع شُعب الإخوان على امتداد خط القناة ومحافظة الشرقية، بخلاف أعداد المتطوعين الإخوان من أنحاء القطر، وكذلك أعدوا كتيبة من طلاب الجامعة من خلال معسكرات التطوع.
  • كان الإخوان بمنطقة الإسماعيلية من أسبق الشُّعب في العمليات العسكرية ضد الإنجليز حتى قبل إلغاء المعاهدة حيث كانت تقوم بـ : خطف لقادة الإنجليز – نسف لطرق قوافلهم – مهاجمة معسكراتهم – وكانوا هناك تحت قيادة الشهيد الشيخ محمد فرغلي والشهيد يوسف طلعت حتى أن الإنجليز أعلنوا عن مكافأة سخية لمن يرشد عن أيهما.
  • وكذلك في السويس نجح الإخوان في ضرب مخازن الذخيرة وصهاريج البترول .
  • وكانت هناك مجموعة “كامل الشريف” و”محمد سليم” حيث كانت تعمل في المنطقة من الإسماعيلية حتى بورسعيد.
  • ومجموعة منطقة القنطرة، اشتهر منهم ” د. عصام الشربيني” و “فتحي البوز” و”فوزي فارس”.
  • وكذلك مجموعة بورسعيد بقيادة ” على صديق” وكانت تضم عدداً من طلبة الإخوان والنظام الخاص، منهم الإخوة : “يوسف على يوسف” و “فتحي العجمي” و”إسماعيل عارف”.
  • وكتيبة جامعة القاهرة ( كان اسمها وقتها جامعة فؤاد) وهى من طلبة الإخوان المسلمين بالجامعة، وقد انضم إليها بعض الأفراد الوطنيين من غير الإخوان، وكانت بقيادة ” حسن دوح” وتركزت عملياتها في منطقة القرين والتل الكبير.
  • افتتح الإخوان أيضاً معسكرات للتدريب في جامعات مصر تحت قيادتهم:
  • أ‌- معسكر جامعة الأزهر، يشرف عليه الأخ د. أحمد العسال .
  • معسكر جامعة عين شمس، يشرف عليه الأستاذ “مهدى عاكف” والأخ د.”سعيد النجار”، و “وائل شاهين” .
  • تولى كامل الشريف قيادة نصف خط المواجهة (من الإسماعيلية حتى بورسعيد) لمدة 6 شهور، ثم توحيد قيادة الجبهة كلها لمنطقة القناة إلى الأخ محمود عبده، وذلك بعد معركة التل الكبير المشهورة.
  • من نماذج العمليات المؤثرة التي قاموا بها:
  • أ‌- نسف كوبري أبو حليفة .
  • ب‌- نسف القطار الحربي الإنجليزي بالقرب من الإسماعيلية .
  • ت‌- نسف معسكر أبو سلطان ومخازن الذخيرة به، وقد استمر الحريق عدة أيام .. وقد قام بهذه العملية الجريئة الشهيد يوسف طلعت.
  • ث‌- ضرب المصفحات الإنجليزية والدوريات الراكبة.
  • ج‌- نسف القطار الحربي بمنطقة الكاب.
  • ح‌- نسف الخطوط الحديدية وإعاقة حركة المواصلات التي يستخدمها الإنجليز.
  • خ‌- معركة التل الكبير حيث نسف الإخوان الخط الحديدي، وقتلوا نجدة سلاح المهندسين الإنجليز بالكامل، ثم اشتبكوا في نطاق واسع مع القوات الإنجليزية هناك عند ترعة الإسماعيلية، وكسروا الحصار الذي حاول الإنجليز فرضه، واستشهد فيها من الإخوان “عمر شاهين”، و “أحمد المنيسي”، في 11 يناير 1952. وأحدثت هذه المعركة دوياً سياسياً وشعبياً كبيراً .
  • د‌- كان للشيخ محمد فرغلي دورا معروفا في فك حصار القوات الإنجليزية على مبنى محافظة الإسماعيلية في 25 يناير 1952 وأرغمهم على الانسحاب في نهاية الاشتباكات التي استشهد فيها عدد كبير من جنود الشرطة المصرية .
  • كانت هناك عشرات بل ومئات العمليات، وكانت جميع شعب الإخوان على امتداد منطقة القناة في حالة استنفار وعمليات قتالية مستمرة، وساعد الإخوان فيها أيضاً الإخوان الضباط الذين كانوا بالجيش المصري وقتها مثل اليوزباشي عبد المنعم عبد الرؤوف، واليوزباشى عبد الفتاح غنيم وعدد من الضباط الأحرار الذين كانوا أعضاء قبل ذلك فى الإخوان، وكذلك المرحوم اللواء صلاح شادى ( من ضباط الشرطة) .. وأحال الإخوان حياة الإنجليز بالقناة إلى جحيم لا يطاق.
  • لقد سار الإمام حسن الهضيبى على نفس السياسة وعلى نفس المراحل التى رسمها الإمام البنا، وكان فى عزمته فى كفاح الإنجليز أقوى عزيمة وأشدّ صلابة من كل من حوله من الشباب الذين كلفهم ووجههم لقيادة وخوض معارك القناة.

ومضى ركب المجاهدين والشهداء إلى غايته، وأبى المرشد أن ينسب فخار هذا الجهد للإخوان المسلمين وحدهم، وإنما أعلن للناس كافة وللإنجليز خاصة، أن الأمة كلها قامت لتجاهد الاحتلال حتى لقد رفض أن يكون تشييع جنازة الشهيد عمر شاهين وأحمد المنيسى من المركز العام للإخوان المسلمين، وإنما أصر أن تخرج من ساحة جامعة فؤاد (جامعة القاهرة حالياً) فى الجيزة لتكون رمزاً لجهاد الشعب كله وليس للإخوان المسلمين خاصة.

وكل ذلك كان بفضل الله نتيجة هذا الجهد وذلك الإعداد طوال تلك السنين ..

 

 رؤية الإمام البنا للغزو الأجنبى ( نماذج الاحتلال )

 

وقفة مع نموذج لمواجهة

الإمام الشهيد للغزو الأجنبي

 

عند اعتداء الأجانب على بلاد المسلمين يهب الإخوان للدفاع عن أوطانهم وحرياتهم ودينهم، ويكونون في مقدمة الصفوف ويقدمون الشهداء والتضحيات، ويحكم حركتهم في ذلك :

التخطيط الجيد، استيعاب الواقع الذي يواجهونه، والحرص على استمرار المواجهة، وتفويت الفرصة على الأعداء أن يتمكنوا من محاصرة الجهاد وتصفيته، كما أنهم يتعاونون مع كل المخلصين من أبناء الوطن لدفع المعتدين، ويحرصون على وحدة الصف ويدعون لذلك، ويهتمون بتأييد الشعب للجهاد ومساندته له.

وقد واجه الإمام الشهيد نموذجين للاحتلال الأجنبي:

النموذج الأول: وفيه جاء المحتل الغاصب للبلاد واستولى عليها وثبت أقدامه فيها قبل ظهور دعوة الإخوان أو اشتداد ساعدها فيها، مثلما حدث مع الاحتلال الإنجليزى لمصر، والذى سيطر فيه الإنجليز على أوجه الحياة فيها، وتحكموا فى مجالات المجتمع وساحته السياسية، وترسخت أقدامهم وأصبح هناك طبقة وفئة منتفعة ومؤيدة لهم، وخضعت الأمة فى ظاهرها تقريباً لسلطانهم.

والإخوان فى مواجهة هذا الواقع الممتد الجذور وتلك الغفلة من عموم الشعب، يواجهون ذلك بخطة طويلة المدى، وعلى كل المسارات والمجالات. يستهدفون تكوين أفراد الأمة التى ستواجه وتقاتل هذا المحتل من خلال برنامج تربوى جهادى،مع إيقاظ الأمة وتحريك روحها،وربطها بدينها وعقيدتها، والسير بخطوات متوازنة مدروسة لتحقيق هذا الهدف. وقد اتضح هذا تماماً فيما فعله وقام به الإمام الشهيد.

وقد رفض الإمام أن تكون مواجهته للإنجليز مجرد مغامرة محدودة يسهل سحقها وضربها، وإنما أعد خطة وبرنامجاً متكاملاً لهذه المواجهة .

النموذج الثانى: وهو نموذج الغزو المتزامن فى وجود الجماعة، مثلما حدث فى اغتصاب اليهود لفلسطين، وهنا أصبح على الأمة أن تواجه الغزو وأن تستمر فى المعركة مهما كانت إمكاناتها وأن تستبسل فى الدفاع عن نفسها وأرضها، مع مراعاة ضوابط محددة :

  1. أن المعركة ضد المحتل قد تكون طويلة ولا يمكن حسمها فى الوقت الحالى، نظراً لقوة المحتل وتمكنه من السيطرة.
  2. أن معركة التحرير والمقاومة، هى هدف وجزء من منظومة الأهداف التى تعمل لها الجماعة، ولابد أن يسير العمل والتخطيط متوازياً وشاملاً لكل الأهداف.
  3. أن كيان الجماعة وجهادها وحركتها، وسعيها لامتلاك وسائل التأثير والتوجيه لا تتوقف أو تنتهى بنهاية معارك التحرير، وجلاء المحتل، فهى تواصل العمل لتحقيق باقى أهدافها وبرنامجها المتكامل.
  4. أن المواجهة والجهاد للأجانب لا يقتصر على الجانب العسكرى، وإنما لابد أن يشمل كافة الميادين والأطر السياسية والاجتماعية والإعلامية والإدارية.
  5. أن الجماعة لابد لها من دعم الجماهير، وإيقاظها لتتفاعل مع هذه الحركة الجهادية وتكون سنداً لها وحماية لدورها، وأن تعمق تواجدها وريادتها للأمة فى كافة مجالات العمل الاجتماعى والسياسى لتكون المعبر الحقيقى عن نبض الأمة وآمالها.
  6. لابد من حماية ظهر المجاهدين، وتأمين قاعدة انطلاقهم الجهادى، فلا يغدر بهم، أو يتم الضحك عليهم واستغلالهم لمصالح فئة أخرى، أو تنقطع أنفاسهم ولا يستطيعون استكمال مراحل الجهاد والعمل الدعوى، او قد يعيشون فى وهم وسراب ثم يجدون أنفسهم لقمة سائغة لأعداء الله، أو قد وقعوا فى حبائله لأنهم وثقوا فى وعود من لا عهد له، فكل هذه محاذير يجب أن تؤخذ فى الاعتبار إذا أريد لمسيرة الجهاد أن تستمر.
  7. قراءة الواقع المحلى والدولى جيداً، والاستفادة من كل الفرص، مع التفريق بين مرحلية العمل الجهادى وتطويره من مستوى لآخر، ومواكبته للعمل وللضغط السياسى، وبين التنازل عن الثوابت أو التفريط فى الحقوق، وأن تكون المستهدفات واضحة لتصل بنا فى النهاية إلى تحقيق الغاية المنشودة.
  8. المحافظة على استقلالية القرار، وأن يكون التوجه والقرار بيدهم لا بيد الآخرين يستغلونه ويحركونه حسب هواهم.
  9. ألا يتسلق على أكتاف العمل الجهادى الآخرون، أو يسرقون ثمرة جهادهم كما أنهم لا يسمحون لأحد أن يخدعهم أو يخدع الأمة، وأن يميزوا بين المخلصين وبين اللصوص والنصابين من أصحاب الشعارات.

ونوضح هنا أن دفع المحتل ومواجهته فى هذا البلد الذى نزل فيه بقواته،يصبح فرض عين على من كان بها حسب القدرة والوسع، وأن على الشعب أن يسعى لامتلاك هذه القدرة حتى ولو طال الزمن، ويصبح على شعوب العالم الإسلامى والحركات الإسلامية دعمه وتأييده بكل أوجه الدعم.

وإمداد هذا البلد بالرجال والمجاهدين يتوقف على تأمين ذلك المسار الذي يتم من خلاله هذا الدعم، وتحقيق الفائدة الحقيقية منه، حتى لا يتم ضربه أو إجهاضه أو يتسبب فى خلل وإعاقة للدعوة، وألا ينتج عنه إضعاف أو إجهاض الحركات الإسلامية في بلادها على المدى القريب أو حتى البعيد، فليس مسوغاً أن تترك بلادها ودورها الدعوى فيه والأهداف التي تعمل لها، وهى بمثابة المرابطة على ثغرها، لتترك هذا الثغر وتنتقل هناك وتنتهي في ساحة ميدان المواجهة أمام العدو الغاصب المتفوق، فيجب أن يقدر الأمر من كافة جوانبه،وبالحجم والقدر المناسب:والمواجهة الحقيقية للعدو لها أسلوبها وخطتها، وكيفية إضعاف المحتل القوى وإيذائه وإرهاقه وإرغامه على الجلاء، ولا يقتصر ذلك على السلاح فقط بل يشمل كافة مجالات الضغط والعمل، فالعاطفة لها مجالها، والقدرة على تحقيق الأهداف في الواقع شيء آخر.

ومع هذه الضوابط فإن الدعم المالى والإعلامى والاقتصادى والسياسى والدولى والمقاطعة الفعالة، لهو من الأهمية بمكان كبير فى ظل اختلال موازين القوى، وبسبب طول المعركة المتوقعة، والراصد لسياسة وأسلوب الأمام الشهيد فى هذا الميدان، عندما دفع الإخوان إلى أرض فلسطين، ليرى بوضوح كيف أنه راعى هذه الضوابط، حتى عندما أقدم النظام فى مصر على حل الجماعة فى ديسمبر 1948، أرسل إلى مجاهدى الإخوان فى فلسطين أن مهمتهم هناك على أرض فلسطين ما زالت قائمة، وألا يلتفتوا إلى ما يحدث فى مصر، وعندما اعتقلوا هؤلاء المجاهدين، لم يوجه الإخوان سلاحهم إلى من اعتقلهم من أفراد الجيش، بل ساعدوا الجيش وحموا مؤخرته بعد ذلك، وخرجت الجماعة بعد محنة 48 أقوى مما كانت بفضل حكمة الإمام الشهيد ووزنه للأمور بدقة، وقد نال فى أثنائها الشهادة، ليستمر دور الإخوان فى قضية فلسطين ثابتاً متنامياً.

تحايل المستعمر فى مواجهة المقاومة :

وقد يحاول المحتل الأجنبى، تغيير أسلوب وصورة سيطرته على البلاد، فيسحب قوات الاحتلال تحت ضغط المجاهدين والمقاومة، لكنه يسلم الأمر لفئة من أبناء هذا الوطن، لكنها ترتبط به وتعمل لاستمرار سيطرته فى النواحى الأخرى، وعلى الحركة الإسلامية أن تقطع الطريق على هذا، وأن تتقدم لتكون مقاليد الأمور بيدها وبيد المخلصين، فإذا لم تتمكن من ذلك، فلتدرك أن التحرر والاستقلال الكامل معركة طويلة. فلتحافظ على كيانها وقوتها وتستمر فى منهاجها وعملها المتكامل وتسلك سبيل النضال الدستورى والكفاح السياسى والعمل الدعوى، إلى أن تحقق كامل أهدافها.

كما يحدد الإخوان موقفهم بوضوح وهو الرفض لأى اتفاقية مع العدو المحتل، قد تقر له باحتلال أى شبر من الوطن الإسلامى، مهما كانت الظروف والأحوال ومهما كانت التضحيات فى إعلان موقفهم وتوعية الجماهير به لأن الأمة تنتظر رأى الإسلام ورأى الجماعة ولا يجوز لها السكوت فى هذا الموقف.

وهم كذلك لا يمكن أن يتنازلوا عن ثوابت الإسلام فى هذا المجال، حتى لو تنازلت الحكومات والشعوب ولا يقرون لهم بذلك حتى ولو أجمعوا على تلك الاتفاقيات التى تقر للعدو باغتصاب الأرض، إنما يستمرون فى دعوتهم والثبات على موقفهم حتى يثوب الجميع إلى أحكام الإسلام.

وموقفهم من اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الغاصب خير دليل على ذلك، رغم ما تعرضوا له من تضييق وإيذاء .

ثبات الأستاذ الهضيبى فى رفض أى تنازل للمستعمر :

وهذا المبدأ أعلنه الإخوان قديماً وعبر عنه الإمام الهضيبى رحمه الله عام 1954، فقال فى خطاب وجهه لجموع الإخوان المسلمين: ( .. وهذا الذى فعله الإخوان المسلمون من معارضة كل اتفاق مع المستعمرين ليس شهرة عندهم، وإنما هو أصل دينهم، فإن أحكام الإسلام تقتضى أنه إذا وطئت أقدام العدو أرض المسلمين وجب على واحد منهم صغيراً او كبيراً – الرجل والمرأة فى ذلك سواء – أن ينهضوا لدفع العدو أياً كان حتى يعيدوه إلى عقر داره، وإذا كان ليست لنا قوة على ذلك حتى الآن، وإلى أن يمنحنا الله القوة لدفعهم أو يوجد من أسباب ضعفهم ما يمكننا من ذلك، فليس لنا أن نرضى بوجودهم على أرض الإسلام بمقتضى اتفاقات نعقدها معهم، ولا أن نرضى بأى ارتباط كان ..فإذا جلوا عن أرض الإسلام فللمسلمين أن يرتبطوا بالاتفاقات التى تقتضيها مصلحة الإسلام، وإذا كانت بعض الحكومات تضطر إلى قبول مثل هذه الاتفاقات فمما يخالف هذا الأصل ان يرضى الإخوان المسلمون به أو يوافقوا عليه، ويجب على الإخوان المسلمين أن يحافظوا كل المحافظة على هذا الأصل حتى لا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم مختارين أو مضطرين إلى مخالفة الأصل الذى قدمته لكم .. ) ([15]) .

ويقول أيضاً:( .. والإخوان المسلمون على ما أوصاهم به ربهم لا يؤيدون جزافاً ولا يعارضون جزافاً، وإنما هم تبع للحق أينما كان ولو كان من خصومهم ، وضد الباطل أينما كان ولو كان مع أصدقائهم ..) ([16]) .

وإذا كان الإخوان فى بلد ما من الضعف أو فى بداية الدعوة والتكوين، ولا يستطيعون الإعلان، فإن الجماعة بقيادتها العالمية تقوم بذلك وتعلن على الأمة كلها ليعرف الجميع رأى الإسلام.

وها هو الإمام الهضيبى رحمه الله يقول فى نهاية خطابه الذى أشرنا إليه: ( أيها الإخوان إن من شأن الدعوات ألا تترخص فى شيء من أصولها فكونوا مستعدين للموت فى سبيل دعوتكم، فإن من مبادئنا ” الموت فى سبيل الله أسمى أمانينا” والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)([17]

ضع تعليقك