سنة التدافع أم صراع الحضارات؟

سنة التدافع أم صراع الحضارات؟

تعريف الحضارة:

لغويًّا: الإقامة في الحضر مقابل البداوة (وهي سكنى البادية).

وفي اصطلاح العلماء تطلق على مظاهر الرقي الإنساني في كافة نواحيه: العقلية والروحية والأخلاقية والأدبية والمادية (أي الدينية والدنيوية).

وهي تشمل عندما تطلق تسميتها- الحضارات الإنسانية- التراث الإنسان كله وعلاقته بالكون، وما وصل إليه من علم وعمل وإنتاج في جميع الميادين، وعندما نخصصها بأمة من الأمم، فإنها تعني تراث هذه الأمة وما يميزها عن غيرها من الأمم كالرومانية والإغريقية والفرعونية.. إلخ.

أمام التقدم العلمي المجرد وما ينتج عنه من منافع فليس بمفرده يمثل حضارة، وإنما هو استفادة من القوانين التي خلقها وأودعها الله هذا الكون.

وبالتالي نستطيع أن نعرّف الحضارة أنها التفاعل الناتج لثلاثة محاور أساسية هي:

1- مقدار ما تحوزه من قيم ومبادئ أساسية، وكلما زاد مقدار هذه القيم واتساعها وشمولها كلما كانت الحضارة قوية مزدهرة تحمل عوامل الاستقرار.

2- مقدار التطبيق العملي لهذه القيم التي تحوزها، وتمسك أهلها بذلك جيلاً بعد جيل.

3- مدى استخدام التعمير الكوني الذي وصل إليه الجهد البشري، لفائدة الإنسان وسعادته.

وبالتالي تكون هناك حضارات فاسدة تستغل القوة المادية في السيطرة والظلم، فقيرة في القيم والمبادئ، لا تلبث أن تنهار.. مثل حضارة قوم عاد وثمود؛ حيث تفتقر إلى باقي العناصر الأساسية لمفهوم الحضارة، وهذا الجهد البشري في تعمير الأرض، واكتشاف ما أودعه الله فيها من قوانين وإمكانيات مسخرة للإنسان؛ يختلف من عصر إلى آخر حسب التطور العلمي والرصيد الإنساني في هذا المجال.

فإذا كان توجيهه لصالح البشرية وسعادة الإنسان، فإنه يعتبر تعميرًا إيجابيًّا ومؤشرًا من مؤشرات استقرار الحضارة وازدهارها.

وإذا تمَّ توجيهه لغير ذلك من انحراف في السلوك الإنساني أو التعدي على باقي البشر كان تعميرًا سلبيًّا يؤدي إلى الشقاء.

فقد يوجد التقدم المادي ويوجد معه التخلف الحضاري الروحي والإنساني، ويصبح الإنسان متأخرًا رغم ما يمتلكه من مظاهر التقدم العلمي، بل قد يكون هذا التقدم الفائق سببًا في غروره وارتكاسه وانهيار تقدمه المادي كله، وهذا ما نشاهده في الحضارة الغربية الآن.

الحضارة الإسلامية:

هي الحضارة التي قامت وفق المنهج الإسلامي ومبادئه، وقادها ووجهها الأنبياء والرسل، عبر التاريخ البشري.

وقد يقصد بها في الحديث أحد أمرين:

1- إما مجموعة القيم والمبادئ التي تقوم عليها وتوجه البشرية للأخذ بها، وبالتالي فإنه في هذا التحديد، تمثل قيم الإسلام ومنهجه الذي أنزله رب العالمين قمة الحضارة وكمال الإنسانية وذروة الرقي الذي تنشده البشرية، لا يماثلها فيه أيّ منهج أو يشترك معها فيه أيّ دعوة أرضية أخرى، وما كان من بعض القيم في الدعوات والحضارات الأرضية الأخرى، فهو من تأثير الحضارة الإسلامية وقيمها عبر التاريخ البشري… فهي- أي الحضارة الإسلامية- هي الحضارة الحقة لا يشاركها في هذا الأمر شيء آخر.

2- أو نقصد بها المعنى التطبيقي البشري للحضارة، أي نتاج التطبيق العملي لأمة الإسلام لهذا المنهج الرباني، ومدى تنفيذها وتمثلها له.

وبمقدار تطبيقها والتزامها فهمًا وعملاً ودعوةً وحركةً، يكون اقترابها من هذا النموذج الحضاري الكامل.

ولهذا يمثل تاريخ الحضارة الإسلامية عبر عصوره المختلفة الجهد البشري الذي تمَّ في هذا الميدان، ومدى تفاوته بين الضعف والقوة وبين الاستقامة والانحراف، كما يمثل النموذج العملي للتطبيق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، النموذج البشري القدوة في هذا الأمر، وبالتالي نستطيع بهذا الميزان أن نقيّم هذا التطبيق، وأن نطور فيه، وأن نراجع جوانب القصور والضعف.

وقد قدَّر الله عز وجل عوامل يقوم عليها ثبات واستقرار أو انهيار وتراجع تلك الحضارات البشرية، وهذه القواعد مجردة لا تجامل أحدًا حتى لو انتسب إلى الإسلام.

 من سمات الحضارة الإسلامية ومقوماتها:

أنها ذات صبغة ربانية، إنسانية، عالمية، فمرجعيتها ومبادئها تستمدها من المنهج والدين الذي أنزله رب العالمين، وليس من طائفة من البشر، يعتريها القصور والتحيز البشري، وكذلك من سماتها هذا البعد الإنساني الذي يعتمد على الجهد البشري، والقواعد التي تنظمه والاحتياجات المتوازنة التي يتطلبها، والبعد العالمي فهي حضارة ليست خاصة بجنس دون آخر أو بمكان أو زمن محدود، بل هي ممتدة شاملة عالمية الانتشار والاتساع، وهي تقوم بذلك على الاتساق الفطري داخل الإنسان ومتطلباته، وكذلك الاتساق بين الإنسان والكون، وتعتمد في التطبيق أساسًا على الإيمان بالله ومراقبته وتزكية النفس البشرية بجانب القوانين والقواعد الأخرى.

 ومن مقوماتها:

1- الإيمان بالله واللجوء والمرجعية إليه وإلى منهجه القويم.

2- العلم وتعمير الكون وتوظيفه الإيجابي.

3- العمل الصالح والتعاون عليه.

4- إقامة العدل وثبات الموازين.

5- الحرية المنضبطة بالحقوق والواجبات.

6- التأكيد على التعاون والتعارف الإنساني.

7- تلبية الضرورات الإنسانية من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، والارتقاء بها وتحسينها وتكميلها بما يناسب كل عصر.

والحضارة الإسلامية مع أنها عالمية وشاملة، إلا أنها لا تلغي خصوصية كل أمة داخلة تحت لوائها واعتزازها بتاريخها وإنجازاتها؛ لكن كل هذا يصب في الإطار العام لوحدة الأمة الإسلامية، وحملها لرسالتها العالمية وللقيم الإسلامية العامة.

الفرق بين الأخلاق والقيم الإسلامية والأخلاق الإنسانية العامة:

من آثار قيام الحضارة الإسلامية منذ فجر التاريخ، كانت هذه القيم التي تعرف عليها الإنسان، ورغم ابتعاده عن الحضارة الإسلامية، أو غياب النموذج التطبيقي لها في فترات من التاريخ، إلا أنه أصبح هناك قيم إنسانية مشتركة تتفق مع الفطرة السوية مثل العدل- المساواة- الشجاعة- الوفاء- الصدق.. إلخ.

وكان هذا من إيجابيات وتأثير التطبيق البشري في الحضارة الإسلامية، ومع أن القيم الإنسانية المشتركة هذه واحدة في أصلها، إلا أن الأخذ البشري لها في المنظور الإسلامي يختلف عن الأخذ الإنساني العادي لها، في بعض الجوانب المهمة:

1- ففي منظومة الأخلاق الإسلامية، يجعل لها مرجعية ثابتة لا تتغير بتغير الأحوال والظروف والمصالح، وهذه التقوى والمراقبة لرب العالمين لها أثرها على الضمير وتذكية النفس.

2- أنه يتسع في معناها ومجالها، ولا يأخذ بجانب واحد من مظهرها ويترك الجوانب الأخرى، فنجد مثلاً الجندي شجاعًا في الحرب؛ لكنه ضعيف أمام المتغيرات وهوى النفس، في المناهج الأخرى.

3- أنه يعمق من أبعادها في النفس، فلا تتأثر أو تهتز بالمؤثرات والضغوط الخارجية.

4- أنه لا يخص في ممارستها جنسًا دون آخر، ولكنها أخلاق ثابتة مع الجميع وفي كل الأحوال.

5- أنها تتوازن مع باقي الأخلاقيات، ومع باقي الجوانب والمتطلبات البشرية الأخرى؛ لأنها صادرة عن منهج متكامل من وضع رب العالمين وهو سبحانه العليم الخبير.

ولذا فإن أصحاب الرصيد من الأخلاق الإنسانية العامة هم أقرب الناس للتمثل بأخلاق الإسلام والإيمان برسالته، يقول صلى الله عليه وسلم “خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا”؛ لأن معدنه وجوهره الصالح هذا يزداد صلاحًا وقوةً ونفعًا في ظل الإسلام وعقيدته.

وكما ذكرنا فإن اجتهاد الإنسان وسعيه في الأرض والكون، تحكمه موازين عامة لا تختص بفئة دون فئة أو منهج دون منهج، ومن أخذ بها وصل لنتيجتها وثمرتها؛ لكن هذه النتيجة تكون على أصل القيم والمبادئ السائدة لهذه الفئة وهي تصبغها بروحها وفلسفتها.

وبالتالي فإن قيم وأخلاقيات الإسلام تعالج الآثار السلبية، وتهذب من طبيعة الإنسان التي تميل للسيطرة والاستغلال والأنانية.

وبالتالي هناك فرق كبير بين النموذج البشري لإقامة الحضارة الإسلامية وبين النماذج البشرية الأخرى التي لا تؤمن بهذه الرسالة.

فرق في المنطلق والصبغة والأهداف فرق في الاستمرارية، فرق في تلبية جميع حوائج الإنسان وتحقيق التوازن النفسي والروحي والمادي، فلا يطغى جانب على جانب، فالمنهج الإسلامي يسمو بها ويحقق التوازن ويوسع من دائرتها في النفس ويربطها بأصلها ويوظفها في التطبيق؛ لتكون في كل الأحوال فهم قد يعدلون مع أشخاصهم؛ لكن يظلمون الشعوب الأخرى، وتجعل من الضمير البشرى حارسًا عليها، قبل القانون؛ لأنه يستمد ذلك من تقوى الله ومراقبته.

أسباب انهيار الحضارات:

وهي قواعد وأسس مجردة، لا تجامل أحدًا أو تحابي حضارة على أخرى، ويكون الوزن النسبي لاستمرارها وقوتها بمقدار ما لديها من قيم وأخلاق إنسانية متمسكة بها، وكذلك من إقامة ميزان العدل والمساواة، ورسوخ القيم الإيجابية ومبدأ التناصح ووحدة المجتمع وتكافله في هذا، وقد كان أحد أسباب هلاك بني إسرائيل أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، ويقول الإمام ابن القيم “إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة على الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة”، ويقول “والصبر منصور أبدًا فإن كان صاحبه محقًّا كانت له العاقبة، وإن كان غير ذلك فبحسب ما معه من الحق” (إعلام الموقعين).

وبالتالي نستطيع أن نشير إلى أهم هذه الأسباب:

1- غياب ميزن العدل والقسط “إنما أهلك من كان قبلكم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد” ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11)﴾ (الأنبياء).

2- غياب صوت الإصلاح المؤثر في المجتمع في مواجهة الفساد والانحراف ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ (هود).

3- ترف شريحة النخبة وفسادها وفسقها ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)﴾ (الإسراء)، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ (القصص: من الآية 85).

4- انحدار رصيد الأخلاق الحميدة بين أفراد المجتمع، أو ضعف الرصيد الأخلاقي عن تلك الحضارة وظهور الصراع الداخلي بين أفرادها.

5- غلبة مساحة الظلم والإفساد في الأرض على مساحة الإصلاح.

بالإضافة إلى موقف الكافرين من الأنبياء والرسل وما جاءوا به ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (34)﴾ (سبأ)، ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ (208)﴾ (الشعراء) فكان هذا سببًا لهلاكهم، وقد صاحب موقفهم وتكذيبهم للرسل صور مختلفة للظلم والتعدي والإفساد في الأرض.

واقع الحضارة الإسلامية:

تكلمنا سابقًا عن الحضارة الإسلامية كقيم ومبادئ، ونشير هنا إلى الحضارة الإسلامية كواقع في التطبيق ومدى تحقيق النموذج المتكامل، فبمقدار تطبيق المجتمعات الإسلامية مبادئ وقيم ورسالة الإسلام، وبمقدار أخذهم والتزامهم بهذه السنن والموازين التي قدَّرها الله في الأرض، بمقدار تحقيقهم للمستوى الحضاري المطلوب، وكان هذا هو واقع تاريخ الأمة الإسلامية من ازدهار وتراجع لحضارتها عندما خالفت هذه الأسس.

وعوامل التراجع هذه في تاريخ الأمة، كان سببها الرئيسي التفريط في السنن والعوامل الداخلية وعدم الالتزام بالمنهج والرسالة في المجتمعات الإسلامية، أما العامل الخارجي من الأعداء والضغوط المختلفة؛ فلم يكن هو العامل الحاسم لهذا التراجع والانهيار، وإنما كان عاملاً مساعدًا كشف عن جوانب الخلل، وساعد على هذا التراجع الشديد.

نوجز الأسباب الرئيسية للتراجع الحضارى للأمة الإسلامية في الآتي:

1- ترك رسالتها العالمية والجهاد في سبيلها.

2- وإقامة منهج الإسلام وشريعته الإقامة الصحيحة.

3- التنازع فيما بينها وتمزق وحدتها واجتماع كلمتها.

5- الركون إلى الدنيا والترف بما يحمله من آثار ضارة و(حب الدنيا وكراهية الموت).

6- التأخر العملي في الأخذ بكل أسباب القوة والتخلف التكنولوجي، وعدم امتلاك أسباب القوة في كل مجالاتها (غثاء كغثاء السيل).

هذا بالإضافة إلى سريان سنن وقوانين الله في تقدم وانهيار الحضارة عليها.

ومع هذا الواقع نجد أن مرحلة النهوض واليقظة قد بدأت بما تحتاجه من إحياء تلك المبادئ والتطور والتجديد بما يحافظ على الأصالة والهوية، وبما يناسب أسلوب ولغة العصر الحديث، وبما يغطي متطلبات تلك النهضة الحضارية ويكافئ تحدياتها.

ولهذا الأمر المهم وضع الإمام الشهيد حسن البنا أسس النهضة والمشروع الحضاري للأمة الإسلامية كلها، وفق أهداف وخطوات ومراحل ثابتة ومتدرجة ليأتي من بعده، فيعمل في التفاصيل ويترجم المنهج- والذي استمده الإمام من رسالة الإسلام وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم- إلى خطوات عملية تسير بها إلى نهاية الشوط.

وبالتالي هو المشروع الإسلامي الشامل الوسطي الذي يحوز اتفاق الأمة، التي ليس لها أن تتشتت، ويظهر لها كل فترة مشروعًا آخر يتناول جزئية من الجزئيات، أو يبدأ معها من الصفر أو يعمل منفردًا أو متباعدًا أو متعارضًا مع هذا المشروع الكامل المستمر بقوة، ويتقدم بثبات رغم كل المعوقات، وهو في مبادئه وأصوله وأهدافه لا يرتبط بشخص الإمام، بل يرتبط أساسًا بمنهج الإسلام الذي وضحه وبلوره، وأيقظ القلوب حوله ووضع الخطوات العملية لتطبيقه.

وقد طرحه الإمام الشهيد على الأمة لمناقشته والتوافق عليه والمساهمة فيه، وبيَّن فيه أسس اكتماله، ومدى ارتكازه على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومراعاته لسنن التمكين ومكافأته للواقع، والقدرة على تحويله إلى واقع عملي.

يقول الإمام البنا: “إن ميدان القول غير ميدان الخيال، وميدان العمل غير ميدان القول، وميدان الجهاد غير ميدان العمل، وميدان الجهاد غير ميدان الجهاد الخاطئ، يسهل على كثيرين أن يتخيلوا، ولكن ليس كل خيال يدور بالبال، يستطاع تصويره أقوالاً باللسان، وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا ولكن قليلاً من هذا الكثير يثبت عند العمل، وكثير من هذا القليل يستطيع أن يعمل، ولكن قليلاً منهم يقدر على حمل أعباء الجهاد الشاق والعمل المضني، وهؤلاء المجاهدون وهم الصفوة القلائل من الأنصار قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله”. (رسالة المؤتمر الخامس).

والواقع الذي تواجهه الأمة الإسلامية اليوم هو حرب حضارة من المشروع الغربي يستهدف منع أو إعاقة عودة الأمة الإسلامية لحضارتها ومكانتها العالمية لعلمهم اليقيني بانهيار حضارتهم وآثارها السيئة والتي فشلت في إسعاد البشرية، وعدم صمودها أمام التطبيق الصحيح للحضارة الإسلامية.

ويدفعهم كذلك لهذه الرغبة، الهيمنة على مصادر القوة المتوافرة في محيط الأمة الإسلامية، وكذلك لفرض واقعهم الحضاري حتى تصبح هذه المجتمعات الإسلامية تابعة لهم خاضعة لهويتهم وأفكارهم وسلوكياتهم وسياستهم.

رؤية الإمام البنا لواقع الحضارة الإسلامية والنهوض بها:

يوجز الإمام الشهيد رؤيته في هذا المسار التاريخي، بما نشير إليه في تلك النقاط السريعة:

1- الحضارة الإسلامية هي الحضارة الحقيقية الشاملة للمادة والروح معًا، والتي تتسق وتنسجم مع ناموس الكون وفطرة الإنسان وترتقي به الرقي الحقيقي في كل جوانبه.

2- وتقوم تلك الحضارة على منهج رباني هو الإسلام يؤهلها لقيادة الإنسانية وأستاذية الأمم والعالم كله.. وهذه الخيرية لأمة الإسلام (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ…) (آل عمران: من الآية 110) مشروطة باتباع منهج الله وأداء رسالة الإسلام، فهي خيرية دعوة ومنهج وليست خيرية جنس أو قوم أو عصبية.

يقول الإمام الشهيد: “قرر الإسلام سيادة الأمة الإسلامية وأستاذيتها للأمم في آيات كثيرة من القرآن.. ثم أوجب على الأمة المحافظة على هذه السيادة، وأمرها بإعداد العدة واستكمال القوة حتى يسير الحق محفوفًا بجلال السلطة، كما هو مشرق بأنوار الهداية (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال: من الآية 60)”(1).

هذه هي الرسالة والمهمة التي صارت إليها أمة الإسلام، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسادت بحضارتها الإسلامية الدنيا كلها.

3- ويحذر الإمام من الانحراف في أداء هذه الأستاذية: “ولم يغفل التحذير من سورة النصر، ونشوة الاغترار، وما تجلبه من مجانبة للعدالة وهضم للحقوق، فحذر المسلمين من العدوان على أية حال “(2).

4- ثم يوضح الإمام أنه نتيجة للبعد عن الدين وجوهره، وعدم الأخذ بأسباب القوة تسللت عوامل الضعف والتحلل في كيان الأمة الإسلامية: “1- من انتشار الخلافات السياسية والعصبية، 2- وتنازع الرياسة والجاه، 3- والخلافات المذهبية والدينية، 4-والانصراف عن الدين كعقائد وروح وحياة، 5- وكذلك الانغماس في الترف والنعيم والشهوات، 6- وغرور الحكام واستبدادهم، 7- والانخداع بوسائل الخصوم والمنافقين، 8- وإهمال العلوم العملية والمعارف الكونية. “(3).

5- ثم جاءت- وحال الأمة هكذا- محاولات الأعداء للقضاء على الأمة الإسلامية، ويوضح الإمام أيضًا جذور هذا العداء وتلك الحرب على أمة الإسلام. “.. أخذت هذه العوامل تعمل في كيان الدولة الإسلامية، والأمة الإسلامية عملها، وظنت الأمم الموتورة أنه قد سنحت الفرصة، لتأخذ بثأرها وتقضي على هذه الدولة الإسلامية التي فتحت بلادها من قبل وغيرت معالم أوضاعها في كل شئون الحياة”(4).

ويقول أيضًا: “.. وإنهم إن تفرقوا في مطامعهم واختلفوا في منازعهم، فهناك سبيل واحد اتفقوا عليه وأقسموا ليُنفذنَّه، هو القضاء على الإسلام والمسلمين، وهي إحن صليبية وسياسة رجعية تدفعهم إلى أعمال هي إلى الوحشية والجنون أقرب.. لا تخدعوا أنفسكم أيها المسلمون، وحسبكم غفلة وحسن ظن بالأيام، فقد وصف الله لكم القوم في كتابه فقال تعالى: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا) (البقرة: من الآية 217).

وقال نبيه صلى الله عليه وسلم ما هو أصرح من ذلك، وهم لا يرضيهم منكم إلا الردة وإلا الاستعباد، وبعد كل هذا لهم معكم حقد قديم ينتقمون منكم به(5).

6- ونجحت الأمم الأوروبية في هذه المرحلة، ونشرت حضارتها المادية، يقول الإمام: “وقد عمل الأوروبيون جاهدين على أن تغمر موجة هذه الحياة المادية بمظاهرها الفاسدة وجراثيمها الفتاكة، جميع البلاد الإسلامية التي امتدت إليها أيديهم.. مع حرصهم الشديد على أن يحتجزوا دون هذه الأمم عناصر الصلاح والقوة من العلوم والمعارف الصناعية والنظم النافعة، وقد أحكموا خطة هذا الغزو الاجتماعي إحكامًا شديدًا، واستعانوا بدهائهم السياسي، وسلطانهم العسكري، حتى تمَّ لهم ما أرادوا وتمكنوا بعد ذلك من أن يغيروا قواعد الحكم والقضاء والتعليم، وأن يصبغوا النظم السياسية والتشريعية والثقافية بصبغتهم الخاصة في أقوى بلاد الإسلام”(6).

ويقول رحمه الله أيضًا: “ولكن هذه الحضارة الغربية قد غزتنا غزوًا قويًّا عنيفًا بـ: العلم، والمال، وبالسياسة، والترف، والمتعة، واللهو، وضروب الحياة الناعمة العابثة المغرية.. واندفعنا نغير أوضاعنا الحيوية ونصبغ معظمها بالصبغة الأوروبية، وحصرنا سلطان الإسلام في حياتنا على القلوب والمحاريب، وفصلنا عنه شئون الحياة العملية.. وهذه الحياة الغربية بما تحتويه من مباهج ومفاتن، وبما لها من مظاهر القوة المادية تحاول أن تسيطر وتهيمن على ما بقى لنا من شئوننا الحيوية”(7).

7- ونتيجة تلك الحرب يتراءى للراصد مدى التفوق والسيطرة المادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والعسكرية مما يعتقد معه أن المعركة انتهت لصالحهم، لكن هناك أمرًا أساسيًّا وهامًّا لم تُحسم حوله المعركة وهو الشخصية الإسلامية، ومدى صلاحيتها واستعدادها لأن تنهض من جديد، وأن تمتلئ بالإسلام وتعيد مجده وحضارته، وإن مظاهر هذا البعث بما تشمله من حركات وطنية وإسلامية قد بدأت.

لهذا تدور المعركة بقوة حاليًّا لتدمير هذه الشخصية الإسلامية وإفراغها من مضمونها وصنع نموذج خاضع لهم في رؤيته وأفكاره، وفي همته وإيمانه برسالته، فيذوب في شخصيتهم وحضارتهم الغربية، وكلهم أمل في أن ينجحوا مثلما نجحوا مع الهنود الحمر ومع اليابانيين وغيرهم وبالتالي نُدرك أهمية هذه المعركة الفاصلة التي تدور حول الأجيال الحالية والقادمة لأمة الإسلام، وكيفية تربيتها وصياغتها الصبغة الإسلامية المتكاملة.

يقول الإمام البنا: “ونستطيع بعد ذلك أن نقول: إن الحضارة الغربية بمبادئها المادية قد انتصرت في هذا الصراع الاجتماعي على الحضارة الإسلامية بمبادئها القويمة الجامعة للروح والمادة معًا” في أرض الإسلام نفسه وفي حرب ضروس ميدانها نفوس المسلمين وأرواحهم وعقائدهم وعقولهم، كما انتصرت في الميدان السياسي والعسكري، ولا عجب في هذا، فإن مظاهر الحياة لا تتجزأ والقوة قوة فيها جميعًا، والضعف ضعف فيها جميعًا كذلك (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: من الآية 140)”(8).

ورغم شدة الهجمة، فإن مبادئ الإسلام ما زالت قائمة: “وإن كانت مبادئ الإسلام وتعاليمه ظلت قوية في ذاتها، فياضة بالخصب والحياة جذابة أخاذة بروعتها وجمالها، وستظل كذلك لأنها الحق، ولن تقوم الحياة الإنسانية كاملة فاضلة بغيرها، ولأنها من صنع الله وفي حياطته (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)) (الحجر)، (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)) (التوبة: من الآية 32)(9).

8- وأصبح واجبًا علينا استرداد دورنا، وإقامة نهضتنا وحضارتنا، يقول الإمام: “وهكذا أيها الإخوان أراد الله أن نرث هذه التركة المثقلة بالتبعات، وأن يشرق نور دعوتكم في ثنايا هذا الظلام، وأن يهيئكم الهل لإعلاء كلمته، وإظهار شريعته وإقامة دولته من جديد (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)) (الحج)(10).

ويقول أيضًا: “وشاءت لنا الظروف كذلك أن نواجه أغاليط الماضي ونتجرع مرارتها، وأن يكون علينا رأب الصدع، وجبر الكسر وإنقاذ أنفسنا وأبنائنا، واسترداد عزتنا ومجدنا وإحياء حضارتنا وتعاليم ديننا”(11).

9- ” لهذا يدعو الإخوان المسلمون إلى أن يكون الأساس الذي تعتمد عليه نهضتنا وتوحيد مظاهر الحياة العملية في الأمة على أساس الإسلام وقواعده”.

وأن على الأمة طريقًا طويلاً من الجهاد لتحقيق هذه الغاية: “وإنما عليها أن تعد نفسها لكفاح طويل عنيف، وصراع قوي شديد بين الحق والباطل، بين النافع والضار، وبين صاحب الحق وغاصبه، وسالك الطريق وناكبه، وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين، وأن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهد، والجهد هو التعب والعناء، وليس للأمة عدة في هذه السبيل الموحشة إلا النفس المؤمنة، والعزيمة القوية الصادقة والسخاء بالتضحيات، والإقدام عند الملمات، وبغير ذلك تغلب على أمرها ويكون الفشل حليف أبنائها”(12).

ويقول أيضاً: “إن تكوين الأمم وتربية الشعوب يحتاج من الأمة إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور:

– إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف.

– ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر.

– وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل.

– ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصمه من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره.

وكل شعب فقد هذه الصفات الأربع، أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه، فهو شعب عابث مسكين لا يصل إلى خير ولا يحقق أملاً”(13).

ويقول: “بهذه المشاعر الثلاثة: الإيمان بعظمة الرسالة، والاعتزاز باعتناقها، والأمل في تأييد الله إياها، أحياها الراعي الأول صلى الله عليه وسلم في قلوب المؤمنين من صحابته بإذن الله”(14).

10- “ثم بين الله تبارك وتعالى أن المؤمن في سبيل هذه الغاية قد باع لله نفسه وماله، فليس له فيها شيء، وإنما هي وقف على نجاح هذه الدعوة وإيصالها إلى قلوب الناس: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ) (التوبة: من الآية 111)، ومن ذلك نرى أن المسلم يجعل دنياه وقفًا على دعوته، ليكسب آخرته جزاء تضحيته، ومن هنا كان الفاتح المسلم أستاذًا يتصف بكل ما يجب أن يتحلى به الأستاذ من نور وهداية، ورحمة ورأفة، وكان الفتح الإسلامي فتح تَدَيُّن وتحضر وإرشاد وتعليم، وأين هذا مما يقوم به الاستعمار الغربي الآن؟!”(15).

سنة التدافع:

المنهج الإسلامي وما ينبني عليه من حضارة إسلامية، لا يحمل في مبادئه الاعتداء على الآخرين أو الغلبة والقهر لأحد، أو سيطرة جنس على آخر أو إشعال الصراع والحرب، وإنما الأصل أن الأمة الإسلامية صاحبة رسالة تشرحها وتوضحها دعوة وتطبيقًا لكلِّ العالم، وهي دعوة إيجابية تواجه كل صور الظلم والاستبداد لتزيله من حياة البشر أيًّا كان، وكذلك تواجه المعوقات التي تمنع وصول دعوتها للعالمين، وتزيلها حتى لو لزم الأمر استخدام القوة.

أما الصور والنماذج الأخرى من الدول والإمبراطوريات أو الأشكال المختلفة من الحضارات الإنسانية الخارجة عن نطاق رسالة الإسلام، فكان منهجها قائم على السيطرة والصراع وعصبية الجنس والحروب، وكان منهجها تجاه حضارة الإسلام أو من يمثلها هو الحرب والإقصاء ومحاولة القضاء عليها.

وهذا الأمر حقيقة تاريخية وواقع تحدثت عنه الآيات القرآنية ورأينها في قوم عاد وثمود وفرعون وغيرهم عندما جاءتهم دعوة الإسلام، ولهذا كان على أمة الإسلام أن تدفع هذا العدوان وتدفع هذا الظلم، وأن يكون لها موقف فاصل حاسم مع الباطل، تراعى في ذلك مبادئ وقيم رسالتها، وتحذر كل صور الظلم وتجتهد في إقامة الحق والعدل. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: من الآية 40)، ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾ (الحج : 41) لهذا كانت هناك “سنة التدافع” التي قررها الله في الأرض وأصبحت تكليفًا لكل المؤمنين جهادًا خالصًا في سبيله أن يدفعوا عدوان الباطل ويتصدوا له مهما كانت إمكانياتهم وأن الله على نصرهم لقدير.

وهذا العدوان من الباطل ليس خيالاً أو توهمًا وإنما هو أمر واقع وسلوك ضمني ينبع من الطبيعة البشرية، ومن المنهج الذي تدين به ومن الاعتراض على دعوة الإسلام، وبدون هذا التدافع البشري المؤيد بالرعاية الربانية، لكان حال الأرض إلى الفساد والهلاك وغلبة الباطل عليها.

وهذا التدافع والجهاد له سنن وقوانين يجب على أهل الحق التزامها والتمسك بها وقد وضحتها كذلك سيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ويُعرف هذا بسنن التمكين في الأرض.

ونظرة الإسلام في تعامل دولته وأمته مع الدول والأمم الأخرى تقوم أساسًا على:

1- الدعوة وإبلاغ رسالة الإسلام للجميع.

2- تشجيع التعاون والتعارف فيما فيه خير الإنسانية وفق قيم العدل والمعاني السامية، وبما يحقق سعادة وسلام الإنسانية.

3- المعاملة بالمثل، فمن اعتدى عليها واجهته وردت عدوانه، ومن سالمها سالمته، بما يحفظ لأمتها العزة والكرامة.

والحضارة الإسلامية يتسع صدرها لكل شعوب العالم وحضاراته وقيمه الخاصة به، وحقه في أن يعتز كل منها بقوميته دون اعتداء على الآخرين. وهي تزن رصيد وتراث وحضارات هذه الأمم بميزان الإسلام وقيمه، فما وافق منها مبادئ الإسلام أقرته، وما خالفها أوضحت رأيها فيه، وهي تأخذ بالنافع المفيد مما فيه عمران الأرض والكون وتستفيد من خبرات الآخرين، وتصبغه بالصبغة الإسلامية، وتوجهه التوجيه النافع الصالح لها وللبشرية.

وأمة الإسلام تدرك سُنّة التدافع في الكون، وأنه لا بد للحق من دعاة يحملونه وأمة تتبناه وتقر مبادئه، وتؤمن له الحرية والحماية وتدفع الاعتداء والظلم في الأرض.

صراع الحضارات، والمقصود من الحوار:

نحدد أولاً ما المقصود بهذا الصراع، وما هي أبعاده؟

فهناك مثلاً صراع المبادئ والقيم، وإذا كان هذا أمر وارد بين اجتهادات البشر فالأصل فيه هو الحوار والجدال ولكن بعض الدول تتبنى منطق السيف والقهر لإظهار وسيطرة مبادئها وإرغام الناس عليها.

وإذا نقلنا الحديث عن الإسلام بقيمه ومبادئه وعن النماذج البشرية الأخرى بقيمها المنحرفة عنه، فالأصل عند الإسلام هو ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125)، وما كان الجهاد والسيف إلا لدفع الاعتداء، أو لإزالة الظلم والمعوقات التي تحول بين الإنسان ووصول دعوة الإسلام إليه، ولتأييد وحماية حركة الدعوة ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

لكن الواقع التاريخي أن الباطل وقيمه المنحرفة عن قيم الإسلام، لا يحتمل هذه المواجهة الفكرية ولا يصمد أمامها فكان يلجأ للعنف والتعذيب والقتل والنفي لمواجهة هذه الدعوة.

إن الحضارة والفلسفة الغربية ما زالت تقوم على فكرة صراع الحضارات واستهدافها، إخضاع وقهر الدول والحضارات الأخرى وسيطرة الجنس الغربي على العالم كله، بل ومع طبيعتها تلك يوجد صراعات أخرى داخلية فيما بينها لا تكف عنها حيث هناك من يستفيد من آلة الحرب، ويستغل هذه الفلسفة، وقد يأخذ الصراع صورًا أقل حدة من الحرب المباشرة إلى صراع المشروعات وتقاطع المصالح.

والإسلام يرحب بأي دعوة للحوار لعرض مبادئه وقيمه وإظهار سموها، فهي من عند رب العالمين، وكذلك يرحب أن نتعاون في إطار القيم المشتركة المتفق عليها وما فيه من صالح العدل ورقي البشرية وقد عرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الاستجابة لمبادئ حلف الفضول الذي فيه نصرة للضعيف ومنع للظلم.

لكن أن يكون معنى الحوار وهدفه أن يتنازل الإسلام قليلاً عن بعض مبادئه لنلتقي في منتصف الطريق، فهذا خروج على الحق وخروج على رسالة الإسلام وليس بحوار وتعاون، أو أن تكون الدعوة إلى الحوار وإشاعة الودّ في ناحية، ومن ناحية أخرى يقوم بالظلم والاضطهاد والاغتصاب لحقوق المسلمين وبلادهم ولا يحرك ساكناً تجاه ذلك، فهذه دعوة للتخاذل والتسليم، وازدواجية في المقاييس والمواقف، ولعب بالعقول واستهزاء بالحقوق.

إن الحوار لا بد أن يقوم على أسس واضحة من الحق والعدل الذي لا يتجزأ ومن الموقف الواضح العملي من أي ظلم واعتداء.

وهناك صورة من الصراع ليس من أجل القيم والمبادئ ولكن من أجل المصالح والسلطان وامتلاك القوة، وهذا نراه كثيرًا بين الدول وبعضها البعض، وإذا كان في حق أمة الإسلام فقد جمع الأمر بين النموذجين صراع الباطل ضد القيم والحضارة الإسلامية، وصراع دولة للهيمنة والسيطرة على بلاد المسلمين ومقدراتهم.

فكيف يكون الحوار بين أمة الإسلام وهذه الدول المعتدية عليها، إنه لا بد أولاً من أن توقف عدوانها أو تمتنع عن مساندة هذا العدوان، وأن ترد كل ما أخذته وتعوض عما اقترفته ثم يأتي بعد ذلك الحوار والتفاهم لإقرار العلاقات وصور التعاون، أما حوار السيطرة والقهر والظلم فهذا مرفوض في كل منطق ويأباه كل حر.

فهذه الحرب من ناحيتهم هي صراع وعدوان ومن ناحية الأمة الإسلامية هو دفع ورد للعدوان فموقف الأمة الإسلامية من صراع الحضارات أنه صراع مصطنع من حملة الباطل وقوى الظلم والاستبداد، وهي تدعو إلى استبداله بالاتفاق على القيم والمثل الإنسانية وأن تكون حضارة الإنسان منطلقها الإيمان والأخلاق وألا نعبد إلا الله، وأن تقوم حضارة الإسلام التي تحمل نموذج الهداية المستمد من الشريعة الربانية بدورها في الدعوة والوصول بالإنسانية إلى الرقي الحضاري الإيماني.

خاتمة:

والقوى التي تواجه الأمة الإسلامية في هذا الصراع أو ذلك التدافع فصّل لنا القرآن وأحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طبيعتها ومراحله، وأنه محاولة لمواجهة نور الحق، ومنهج الإسلام ومن يحمله، وأنه لا محالة سيكون الباطل مهزومًا بوعد الله وقدره لكن علينا أن نأخذ نحن بأسباب الثبات والنصر التي قدرها الله إذا أردنا أن نكون من أهل الحق بصدق ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾ (الإسراء)، لكن هذا الصراع العنيف لا يجعل أمة الإسلام تشتط أو تتجاوز أو تظلم وتعتدي ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8).

ويأتي هذا التدافع فيميز الله به الخبيث من الطيب، ومن خلاله تترسخ قيم الحق والعدل في مواجهة قيم الباطل في الأرض.. يبدأ الصراع وأهل الحق قلة مستضعفة قليلة في الوسائل والإمكانيات، وتتحمل الكثير من الجهد والتضحيات، ويجري عليهم اختبار الزمن وتمر عليهم أنواع الفتن والابتلاءات، لكي يتم تمحيص الإيمان وتحقيق الصدق والتجرد الكامل لله، ومع استفراغ الجهد البشري تتأخر عنهم النتيجة ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: من الآية 214) ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا﴾ ( يوسف: من الآية110) فيكون عليهم الثبات والصبر، متعلقة قلوبهم بالله وليس بالنتيجة أو بمدة معينة فيأتيهم نصر الله بالأسباب التي يقدرها وفي التوقيت والصورة التي تقتضيها حكمته فلا يظن أحد منهم أنه حقق النصر بفضل مجهوده البشري أو نتيجة لخطته المحكمة، وعلى الجانب الآخر تجد أمامها أهل الباطل كثرة متفوقة في كل الوسائل المادية، ويبذلون أقصى الجهد عندهم، ورغم هذا لا ينجحون في القضاء على الحق أو ينتصرون في النهاية ليدركوا أن هزيمتهم لم تكن للتقصير في الجهد الذي بذلوه وإنما لأنهم باطل في ذاته وأن ترك الله لهم إلى حين هو إمهال لهم ليريهم قدرة الله ومشيئته المطلقة وتدبيره المحكم.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).

___________

الحواشي:

1- رسالة مؤتمر طلبة الإخوان.

2- رسالة مؤتمر طلبة الإخوان.

3- رسالة بين الأمس واليوم- باختصار.

4- رسالة بين الأمس واليوم.

5- من مقالة الإمام الشهيد عام 1931: واجب العالم الإسلامي أمام ما نزل به.

6- رسالة بين الأمس واليوم.

7- رسالة دعوتنا في طور جديد.

8- رسالة بين الأمس واليوم.

9- رسالة دعوتنا في طور جديد.

10- نفس المصدر.

11- رسالة هل نحن قوم عمليون.

12- المصدر السابق.

13- رسالة إلى أي شيء ندعو الناس.

14- رسالة دعوتنا في طور جديد.

15- رسالة إلى أي شيء ندعو الناس.

ضع تعليقك